✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في بلادٍ تتقن دفن الموتى ، لكنها لا تُحسن إنقاذ الأحياء ، تُزهَق الأرواح لا مرة ، بل مرتين:
مرة عند باب المستشفى!
ومرة حين يُغلق الملف بلا تحقيق ، بلا محاسبة ، وبلا حتى ٱعتذار!!
في هذا الجزء الثالث ، لن أسرد وقائع جديدة ، لأن الوقائع تُعاد كل يوم بنفس الطريقة ، وبنفس الألم ، وكأن الدم المغربي كتب عليه أن يُهدر في صمت ، وأن تُفرَش له الأضرحة بدل الأسرة البيضاء!!!
مئات الشهادات تصلنا من مدن مهمّشة ، قرى منسية ، وأحياء تُذبح فيها الصحة بسكاكين الإهمال ، بينما الوزير “أمين التهراوي” ، الذي جاء محمولا على أكتاف الولاء داخل مجموعة أخنوش ، يكتفي بالتصريحات الوردية المتلعثمة والمملية عليه… وكأن ما يحدث مجرد سوء تفاهم بسيط بين المواطن والقدر.
الوزير ، الذي لا نعرف له أثرا في أروقة المستشفيات ، ولا تاريخا في طب الطوارئ ، ولا موقفا واحدا يُشرف القطاع ، لا يزال يُمنَح الغطاء السياسي من رئيس الحكومة الذي قرّبه ، و(السيبة الإدارية) التي صعد منها ، ليُشرف على ملفٍ بحجم حياة المغاربة… وكأننا لا نستحق أكثر من (إطار إداري مطيع) يتلقى الأوامر من (حرم أخنوش) ، ويُوقّع القرارات دون حتى أن يقرأها.
– أين ذهب التقرير الوطني حول وفيات الأمهات؟
– أين اختفت لجنة تقصي الحقائق حول «موتى الانقطاع الكهربائي» بمستشفى بني ملال؟
– من يجيب عن أجهزة التصوير المعطّلة ، والأدوية المسروقة ، والأطباء المستقيلين بالجملة؟
– من يُحاكم المستشفيات التي تحوّلت إلى مقابر؟
لا أحد… لأن في هذا الوطن ، الصحة ليست أولوية ، بل عبءٌ ثقيل على سلطة لا ترى في المواطن إلا رقما ٱنتخابيّا قابلا للإستبدال.
شهادة تُغني عن ألف تقرير:
والدتي توفيت بسبب أزمة قلبية بسيطة ، قالوا لنا: «الجهاز في عطلة ، وطبيب القلب لم يأتي بعد!
جلسنا معها ننتظر في الممرّ خمس ساعات ، حتى بردت يدها في يدي ، لم تكن عجوزًا… كانت في الخمسين فقط.
ماتت ، ليس لأن قلبها خانها ، بل لأن النظام الصحي خانها».
(عن ابنٍ فقد أمّه في مستشفى بالحسيمة)
كأننا نعيش في وطنٍ يُهان فيه الإنسان حيًّا وميتًا…
في وطنٍ يُصبح الطبيب محبطًا ، والممرضة مرهقة ، والمريض ضحية دائمة…
في وطنٍ يُكافَأ فيه الوزير الصامت ، ويُطرد الطبيب الغاضب ، وتُدفن القصص مع أصحابها دون حتى نعي رسمي.
الصحة في المغرب اليوم ، ليست سوى مجزرة بطيئة ، تُنفَّذ بأيدٍ ناعمة ، خلف مكاتب نظيفة ، ووجوه باردة.
أما الوزير القادم من مطبخ النفوذ ، فلا يزال يمارس هوايته المفضلة:
«الفرار من المسؤولية ، في الوقت بدل الضائع».
– إلى متى؟
قد يقول قائل: كفى سوداوية… لكن
– كيف نكون متفائلين ونحن نرى الكارثة تتكرّر؟
– كيف نُبشّر بالإصلاح ، ونحن نُسلّم رقابنا لمسؤول لا يسأل نفسه: من أنا؟
– وما الذي أفعله هنا؟
هذه الأجزاء الثلاث ، ليست سوى جرس إنذار…
وصدى لأصوات ٱختنقت داخل سيارات الإسعاف…
ولدموع أمهات دفنّ أبناءهن قبل أن يسمعنَ التشخيص…
لا نطلب معجزة ، فقط…
وزيرًا يُشبه الشعب.. لا دفتر العائلة.
مستشفى يُداوي.. لا يُنهي الحياة.
وعدالة تَسأل:
– من المسؤول؟… لا من القربى.