السماء مظلمة ومليئة بالغيوم، والشمس تختبئ خلف السحب الكثيفة. الهواء ثقيل، والرياح قوية، تنحني الأشجار تحت قوتها وتنسل عبر الممرات الضيقة فتدفع الابواب الخشبية لتصدر صريرا مستمرا.فجأة، دوى صوت الرعد في الأفق، معلناً اقتراب العاصفة.
اسرع إزمراسن على طول الطريق المتعرج، حاملاً سلة ثقيلة من البقالة على كتفه. كان يتصبب عرقًا وهو يكافح لحملها، رغم أنه كان قويًا ببنية عضلية واضحة . لمع العرق على عنقه وهو يخبط على الارض بحذاءه السميك. كان قد عاد لتوه من السوق، حيث كان كثيرًا ما يتشاجر مع من رماه حظه العاثر في طريقه. كان سريع الغضب ولم يكن يخشى الصراخ أو الشجار فيتعارك احيانا على الأمور التافهة.
عند قمة التل، توقف ليلتقط أنفاسه. أدخل يده في جيبه، وأخرج منديلا قديما متسخا مغطى بطبقة من الزيت والاتربة ومسح العرق عن وجهه. ثم وقف وتابع طريقه نحو منزله. عندما وصل إلى الباب، دفعه بقوة، ورمى السلة في الداخل. نادى على زوجته، التي نزلت من الطابق العلوي وهي تتوقع حدوث سوء.بمجرد أن رآها إزمراسن، عبس وصاح قائلاً :
“ألا ترين أن هذا الحمل ثقيل علي؟ لماذا لم تأتِ وتساعديني في الطريق؟” لم ترد زوجته. بقيت صامتة،متحملة قسوته وقهره مدركة أن الجدال لن يفيد. خفضت نظرها إلى الأرض وأخذت السلة إلى المطبخ.تمتمت بشيء بصوت منخفض خشية سماعها. لم تكن تحب التلاسن والعناد معه. كانت تعرف أنه دائم البحث عن سبب للشجار. أحيانًا، كان يوقظ الأطفال في منتصف الليل ليضربهم دون سبب ظاهر. لم يكن العيش معه سهلًا أبدًا.
لم يكن إزمراسن محبوبًا بين جيرانه أيضًا. كان فظًا، دائم الانتقاد، يسخر من عمل الآخرين ويقلل من شأن إنجازاتهم. وكان يفتخر بماضيه كجندي في الجيش الفرنسي خلال حرب الهند الصينية، متباهياً باقدامه وحصوله على أوسمة شجاعة تذكر ببطولاته وفتوحاته. لكن لم يكن أحد يحترمه فعلاً. كانوا فقط يتجنبونه لأنه كان شخصًا متقلب المزاج وسريع الغضب ولايؤمن جانبه.كان صوته الجمهوري كاف لاخافة واسكات من تجرا على مجادلته.
وفي أحد الأيام، حاول احد حكماء القرية أن ينصحه. أخبره أنه بحاجة إلى التغيير، وأن تصرفاته تؤذي الناس، وتجانب الصواب ، لكن إزمراسن تجاهله، ورفض كلامه ورحل غاضبًا.
في ذلك المساء، نشب شجار في احدى مزارع القرية. كان أخوه، الرجل المسالم الذي كان يفضل حل الأمور بالحسنى بدل العنف، طرفًا فيه. لكن هذه المرة، تعرض لاعتداء من طرف أحد الأشخاص بسبب من له الأسبقية في الري.
غلى دم إزمراسن من الغضب عندما سمع الخبر. اندفع خارج المنزل وصعد إلى سطح داره، صارخًا في أخيه باعلى صوته أن يمسك بالرجل الذي هاجمه ولايفلته حتى يدركه. حاولت زوجته منعه، لأنها كانت تعرف أنه دائمًا ما يتصرف بتهور، لكنه تجاهل توسلاتها وركض الى الضفة الأخرى مكان الشجار.عندما وصل، وجد الرجلين يتجادلان. استشاط غضبًا وأمسك بخصم اخيه، وألقاه أرضًا بكل قوته. وجه له لكمة قوية على وجهه أسقطته أرضًا. تدفق الدم من فم الرجل وهو يئن من الألم ويستغيث.
رأى اثنان من القرويين ما حدث وهرعا لمساعدة الرجل المصاب. أمسكوا بإزمراسن وأبعدوه، ووبخوه على ما فعله. لم يقل شيئًا، بل ساعد أخاه على النهوض وقفلا راجعين بصمت.في تلك الليلة، استدعاه إمام القرية ليتحدث معه. كان الإمام غاضبًا ومصابًا بخيبة أمل. أخبره أن تصرفه قد جلب العار للقرية، وأنه تسبب في إيذاء شخص آخر دون وجه حق. حاول إزمراسن أن يبرر نفسه، لكنه لم يجد الكلمات. اصر الإمام إن أن يعتذر للرجل الذي ضرب، وهذا هو السبيل الوحيد لتصحيح الأمور.
في اليوم التالي، كان يوم “تفاسكا” – عيد الأضحى. كان يومًا مفرحًا امتلأت فيه القرية بالبهجة والحبور.بعد الصلاة والذبح،وتناول الطعام، حان حفل بويلماون،حيث يرتدي احد الشباب جلود الماعز ويمسك بالحوافر في ثم يجوب القرية مخيفًا الناس، خاصة الأطفال. كان كبار السن ينهون اخر كؤوس شاييهم يتهامسون على الايام الخوالي ،وعن تحذيرات اجدادهم التي كاد الجميع ان ينساها.
” لا تدخلوا المقابر بجلد الماعز…والا ستسجن روحكم في جسد لاينتمي اليكم.”
سمع ازمراسن هذه الأقاويل والاحاجي.لم يؤمن الا بقوته وجبروته.لم يكن من النوع الذي يصغي الى قصص الشيوخ والعجاءز.لم يكن يخشى شيئا ولا احدا,لا انسانا ولا لعنة..كان دائم السخرية من المخاوف القديمة واعتبرها مجرد خرافات تستصغر العقول.
لكن هذه السنة،قرر إزمراسن أن يشارك في هذا الاحتفال ويقوم بهذا الدوربنفسه،دور بويلماون .ارتدى جلود الماعز وامسك بالحوافر وشد بقوة على جسده.جاب أزقة القرية يطارد الاطفال و النساء،ضاحكا بسخرية وهو يرى الرعب في اعينهم ،فيستمتع بهذا الشعور …شعور القوة والسيطرة المطلقة. لكن قدماه قادته الى طريق لم يكن عليه ان يسلكه. وقف عند باب المقبرة،حيث الحجارة القديمة التي نقشت عليها اسماء من رحلوا.نظر الى الداخل ،وابتسم بازدراء.ثم قال بصوت ساخر:
“ايها الموتى!الاتخافون بويلماون؟”
ضحك بصوت عال ثم خطا الى الداخل.ما ان وطات قدماه ارض المقبرة حتى شعر بوخزة غريبة في جسمه.تجاهلها،لكن سرعان ما احس بحركة غريبة فوق جلده.ارتعد،رفع يديه محاولا نزع الجلود.لكنه لم ينخلع.حاول جاهدا لكن دون جدوى. كلما قاوم، ازداد الجلد تشبثًا به.شعر انه محاصر داخل جسده،غير قادر على الهروب من اللعنة التي احكمت قبضتها عليه.حاول بقوة اكبر،لكنه شعر بالم رهيب،كان جلده يتمزق.التصق جلد الماعز بجسده كأنه جزء منه.حاول الصراخ ،لكنه صوته خرج خشنا ،عميقا كأنه ليس صوته.نظر الى يديه،فوجد أصابعه قد تحولت واظافره قد طالت.ثم تغيرت عيناه.
في تلك الليلة،لم يعد ازمراسن الىمنزله.عندما حل الصباح،خرجت زوجته تبحث عنه.لم تكن تحبه لكنها لم تكن تتمنى له هذا المصير.سارت في ازقة القرية تسال عنه حتى قادتها قدمتها الى المقبرة .هناك وجدت أثرا غريبا على الارض…حوافر… لكنها لم تكن لحيوان بل لكاءن مسخ.سمعت صوتا خلفها.التفتت…ثم تجمدت مكانها.كان يقف هناك،اوعلى الاقل ماتبقى منه .لم يعد ازمراسن انسانا بل مخلوقا بشريا بجلد ماعز مشدود على جسده،وعينين لا تملان الا الفراغ.
“ساعديني…..اريد العودة….”
جف حلقها وتملكها الرعب وركضت مذعورة الى القرية،تخبر الناس بماراته من مال زوجها.اجتمع الشيوخ بعد سماع القصة.تبادلوا النظرات الصامتة.قال احدهم بصوت خافت
“لقد عاد ماحذرنا منه.”
قررت القرية ان تنسى ازمراسن.لم يذهب احد للبحث عنه.لم يذكر اسمه مرة أخرى.اختفى في أعالي الجبال.لم يعد انسانا،بل تحول إلى وحش،بشر بملامح حيوانية . لم يعد بإمكانه العودة إلى حياته القديمة. لم يعد ينتمي إلى القرية أو لعائلته.اختفى الى الابد.لكن في الليالي العاصفة ،حين تهب الرياح بين الاشجار ،يقسم البعض انهم يسمعون صوتا غريبا….صوت رجل يهمس متوسلا:
“ساعدوني….اريد العودة…..”