بقلم: الأستاذ الإدريسي عبد المجيد
ما كشفه فيديو حميد المهداوي لم يكن فضيحة مهنية ولا مجرد سقطة أخلاقية داخل لجنة يفترض أنها وصية على شرف المهنة، بل كان أكبر من ذلك بكثير. كان لحظة تعرت فيها عقلية كاملة، العقلية نفسها التي تدير المؤسسات، تضبط الحدود، تصنع القرارات، وتقرر من يحق له الكلام ومن يجب أن يصمت. ما ظهر في الفيديو لم يكن لجنة أخلاقيات، بل ذهنية ترى نفسها سلطة فوق المهنة، فوق المجتمع، وفوق القانون. ذهنية تعتبر التدخين في اجتماع رسمي أمرا عاديا، والسب والشتم أسلوب نقاش، واتخاذ العقوبات مجرد نوبة مزاج، وكأننا أمام جلسة شخصية لا أمام مؤسسة يفترض أنها تمثل ضمير الصحافة.
هذه ليست مشكلة أفراد، بل ثقافة مؤسسة. ثقافة تعلن بشكل غير معلن أن دورها ليس حماية المهنة بل ضبطها وتطويعها وتسييجها بما يخدم منطق السلطة لا منطق الحرية. ولذلك يصبح القرار الإعلامي أداة تأديب بدل أن يكون آلية تنظيم، ويصبح الصحافي متهما بمجرد أنه مزعج، ويصبح العقاب جاهزا قبل النقاش، وكأن الهدف ليس ضمان المهنية بل ضمان الصمت.
من السذاجة أن نرى الفيديو كحادث معزول. ما ظهر فيه هو العينة الصغرى من طريقة تفكير أوسع تمارس يوميا في قطاعات أخرى. إنها العقلية نفسها التي صنعت أحكام الريف، العقلية التي حولت مطالب اجتماعية مشروعة إلى تهمة انفصال، ثم تركت الناس سنوات في السجون قبل أن تعترف الدولة نفسها، عبر ممثلها في الأمم المتحدة، بأن الحراك كان اجتماعيا لا انفصاليا. المفارقة الصادمة أن هذه العقلية لا تخجل من تناقضها، لأنها تؤمن أن لا أحد سيحاسب، وأن الزمن متوقف عند عتبة سلطتها، وأن القرار مهما كان عبثيا سيصبح حقيقة بمجرد ختمه.
لذلك، فالفيديو لا يدين اللجنة فقط، بل يدين النظام الذهني الذي صنعها، وسمح لها أن تشتغل بلا خوف من رأي عام أو رقابة أو مساءلة. المشكل ليس في من نراهم أمام الكاميرا، بل في العقل الذي يدير من هم خلف الكواليس. عقل يرى البلد ملكية خاصة، والمواطنين قصرا والاختلاف تهديدا، والاحتجاج جريمة، والكلمة الحرة نوعا من الفوضى. إنها أزمة بنية وليست أزمة أسماء. يمكن أن تتغير الوجوه، لكن الطريقة نفسها تعود. يمكن أن تتبدل اللجان، لكن المنطق ذاته يستمر. يمكن أن يختلف الشخص المستهدف، لكن الهدف دائما واحد: السيطرة على الرواية وتحويل الحرية إلى استثناء.
قد نختلف مع المهداوي، قد لا نتفق مع أسلوبه أو خطابه، لكن ما كشفه يتجاوز شخصه بكثير. إنه مرآة تعكس طبيعة إدارة القرار في هذا البلد. قرارات تطبخ على عجل، بجرعات من الانفعال والحسابات الضيقة والمنطق العقابي، ثم تقدم للمجتمع باعتبارها قرارات مهنية لا تقبل النقاش. وحين تدار مؤسسات بهذه الطريقة، يصبح السؤال مشروعا إذا كانت هذه هي الأخلاق داخل مؤسسات يفترض أنها وصية على المهنية، فكيف يكون الانحراف داخل مؤسسات تملك صلاحيات أكبر وأخطر؟
الخلاصة واضحة: الذين ظهروا في الفيديو ليسوا أصل المشكلة، بل هم نتيجتها. أما أصل المشكلة فهو العقل الذي أنتجهم، والثقافة التي ربتهم، والنظام الذي منحهم سلطة بلا محاسبة. واليوم، لأول مرة منذ سنوات، أصبح المواطن أكثر وعيا وقدرة على رؤية ما يجري خلف الستار، وأكثر شجاعة في طرح السؤال الذي لا يريد أحد سماعه: هل المشكل في مؤسسات الدولة، أم في العقل الذي يظن نفسه الدولة؟