حين ترفع السوربون راية الحرية الأكاديمية: الجامعة بين شجاعة الرفض وإغراء الأرقام
بقلم: الدكتور محمد محاسن
أستاذ التعليم العالي
خريج جامعة السوربون العريقة – باريس (1989)
توطئة
أحيانًا، لا تكمن قوة الجامعة في ما تُعلن عنه من إنجازات… بل في ما تملك الشجاعة لرفضه.
في السادس عشر من شتنبر 2025، أعلنت جامعة السوربون انسحابها من نظام تصنيفات Times Higher Education اعتبارًا من سنة 2026. حينها، وللوهلة الأولى، بدا القرار أشبه بجرسٍ أيقظ وعيًا راكدًا، وصوتٍ يعيد للجامعة معناها الأول: كونها ضمير للعالم، وليست رقمًا في سباق تجاري.
بصفتي أحد أبناء هذه الجامعة العريقة، أشعر أنّ هذا القرار ليس مجرد موقف مؤسسي، بل إنه إعلانُ ولاء للحرية الأكاديمية ووعدٌ بأن تبقى المعرفة مرفوعة الرأس، عصيّة على الاختزال.
في امتداد النقاش الفكري السابق
يأتي هذا المقال امتدادًا لما أكّدناه في مقالاتٍ سابقة حول رأسمال الأستاذ الجامعي بوصفه سلطة معرفية لا يمكن اختزالها في مؤشرات تقنية، وحول ضرورة الدفاع عن البحث العلمي الرصين ضد منطق الاستسهال والتسليع.
فقرار السوربون يكشف ـ بوضوح أخلاقي نادر ـ حدود النماذج التصنيفية الحالية، ويدعو إلى مراجعة كبرى تُعيد للجامعة رسالتها وقيمتها ومكانتها الرمزية.
أولًا: أزمة شرعية التقييم الخارجي
على مدى سنوات، منح العالم سلطة تقييم الجامعات لمؤسسات تجارية تحتكر البيانات وتخفي منهجياتها داخل “صناديق سوداء”، تُختزل فيها قيمة الجامعة في عدد الاستشهادات والرصيد المالي والسمعة التسويقية، بينما يُهمَّش أثر البحث العلمي في التنمية والعدالة المعرفية وتقدّم العلوم وخدمة المجتمع.
وهنا يبرز تساؤلات مؤلمة:
– بماذا تُقاس قيمة جامعةٍ تُخرّج قادة وعلماء وشعراء وفلاسفة؟
– بماذا تُقاس جامعةٌ تصنع عقولًا لا تُقاس؟
– كيف وصلنا إلى هذا الحدّ من التسليم؟
– كيف نتنازل عن الحرية الأكاديمية لمؤسسات لا نعرف عنها إلا أنها تُسعّر المعرفة وتخصخصها وتحوّلها إلى منتجٍ رقمي قابل للمقارنة والتسويق؟
– بأي حق تُنصِّب تلك الجهات نفسها سلطة تحكيمية على جامعاتٍ حملت مشاعل الفكر لقرون، وقدّمت من عمر التاريخ أكثر مما قدّمه هذا النظام التصنيفي نفسه؟
لقد كبر الوهم… وصغر المعنى وتاهت الدلالة. لقد باتت الجامعة – في نظرهم – رقمًا يُرفع أو يُخفَض، لا ضميرًا ينتج المعرفة ويصون الحرية.
ثانيًا: الباحث الجامعي… من سلطة معرفية إلى تابع رقمي
قبل أن تُفرض التصنيفات على الجامعات، كان الباحث ضميرًا معرفيًا حرًا، يشتغل بدافع شغف فكري ورغبة في توسيع آفاق الإنسان.
لكنّ هوس التصنيفات وما تبعه من اشتراطات مؤسسية لاعتراف أو ترقية، دفع بالعديد من الباحثين إلى السقوط في فخّ السؤال القاسي:
– ماذا يريد التصنيف منّي؟
– بدل: ماذا يحتاج العلم والمجتمع منّي؟
فانقلب السعي من خدمة الحقيقة إلى خدمة المؤشر، ومن بناء فكر جديد إلى مطاردة رقمٍ جديد.
وليس أقسى من أن يتحوّل الباحث الذي من المفترض أن يُسائل العالم… إلى باحث يُسائل نفسه دون انقطاع: “هل ما أنتجه قابل للقياس أم لا قيمة له؟”
إن رأس مال الأستاذ الجامعي ليس عدد المقالات المنشورة، بل أثر المعرفة في وعي الإنسان وتحوّل المجتمع.
ثالثًا: الجامعة ليست مؤسسة تجارية بل وطنٌ للمعرفة
ما يدعو للُقلق اليوم ليس وجود التصنيفات في حدّ ذاته… بل أن تُصبح هي البوصلة. فقد صارت بعض الجامعات تركض وراء الظهور لا وراء العمق، وراء السمعة لا وراء الرسالة. وسادت عقلية: “كيف ننال مرتبة أعلى؟” بدل “كيف نخدم أمتنا والإنسانية؟”
حين يُربط التمويل والترقي بالمؤشرات التسويقية، تفقد الجرأة على طرح الأسئلة الكبرى أولويتها المشروعة؛ حيث يصبح المهم هو إنتاج ما يُرضي الأنظمة التقييمية.
لقد آن الأوان لنقول بهدوء وثقة:
– الجامعة ليست شركة لبيع الشهادات ولا معملًا لإنتاج الأوراق العلمية بالجملة.
– الجامعة مشروعٌ إنساني… ودينامية حضارية… ورسالة أخلاقية قبل كل شيء.
رابعًا: حين تقول السوربون “لا”… يستيقظ المعنى
قرار السوربون ليس تمرّدًا ضد الجودة، بل دفاعًا عنها. ليس رفضًا للتقييم، بل رفضًا للاختزال والتسليع.
إنها جامعة عمرها ثمانية قرون تقول اليوم: لن نكون أداة في لعبة لا تخدم العلم ولا الباحث ولا المجتمع.
إنه إعلان لإعادة تعريف النجاح الجامعي عبر:
– أثر الجامعة في حياة الناس
– قدرتها على إنتاج فكر نقدي حرّ
– مساهمتها في بناء مستقبل أفضل
ولأن السوربون قادرة على الرفض… فهي قادرة على التأثير. وقد لا يطول الزمن قبل أن تلحق بها جامعات أخرى وتعيد للمشهد الأكاديمي توازنه الأخلاقي والإنساني.
خامسًا: نحو يقظة جديدة في تقييم البحث العلمي
إن النهضة العلمية الحقيقية تحتاج إلى:
– تحرير المعرفة من الاحتكار الرقمي
– تبنّي فلسفة العلوم المفتوحة
– دعم الباحثين بالموارد لا بالقيد
– إعادة الاعتبار للبحث الإنساني والاجتماعي
– تشجيع التعاون بدل التنافس الاستعراضي
وهكذا يستعيد التقييم الجامعي معناه الأصلي:
ليحتفي الاعتداد بما الذي نشرناه فقط…
ليحول الاعتبار والاهتمام اتجاه ما الذي غيّرناه في حياة الإنسان وعقله.
خاتمة
إنني أرفع قلمي اليوم انطلاقًا من مدرسةٍ ربّتني على الإيمان بأن الحقيقة لا تخضع لترقيمٍ ولا تحكيمٍ تجاري، وأن الباحث الذي يعرف قيمة نفسه لا يطلب اعترافًا من الخارج كي يؤمن بها.
فإذا كان البحث العلمي وجهًا من وجوه القيادة الأكاديمية، كيف للقائد أن يخضع لمنظومة لا يفترض أن تكون وصيًّا عليه؟
إن الرفض حين يكون واعيًا وحرًا هو أسمى أشكال الدفاع عن جوهر الجامعة؛ ومن شجاعة الرفض يبدأ إصلاح التعليم العالي: حين تستعيد الجامعة هيبتها باعتبارها فضاءً للحرية لا منتجًا تسويقيًا. وحين يعود للبحث مكانه الطبيعي باعتباره رسالة تحرّر العقول… لا وسيلة لترقية وظيفية.