القيادة الأكاديمية : نحو ترسيخ ثقافة الأهداف*

0 638

 

*بريق الطموحات… وظلال الواقع*

بقلم الدكتور محمد محاسن

في أروقة الجامعات، وبين مدرجات المؤسسات التعليمية، تتلألأ خطط استراتيجية، وتزدان الرؤى المستقبلية بشعارات طموحة وخطابات واعدة. كل جامعة تخط لنفسها مسارًا نحو التميّز، وكل مؤسسة ترسم أفقًا مزدهرًا للتطوير والتحديث. لكن، ما تلبث تلك الطموحات أن تتحوّل إلى حبر على ورق، وأحلام معلّقة تنتظر من يوقظها من سباتها العميق.
كثيرة هي المشاريع التي تبقى حبيسة الوثائق سجينة الرفوف والقماطر، تذروها الرياح الإدارية، أو تبتلعها دهاليز الروتين. يُعزى ذلك إلى أسباب كثيرة : من ضعف التمويل إلى تعقيدات التشريع، ومن غياب التنسيق إلى تنازع الصلاحيات. لكن، خلف كل هذه الأسباب الظاهرة، يكمن عامل خفيّ، لا يقلّ خطورة، بل لعله الأخطر الذي يفضل الكثيرون التغاضي عليه، إنه *غياب ثقافة تحديد الأهداف.*
إنّ غياب هذه الثقافة لا يفرغ الطموح من مضمونه فحسب، بل يجعل من التخطيط وهمًا ومن المشاريع سرابًا. وهذا ما يدفعنا اليوم إلى *إعادة التفكير في شكل القيادة الأكاديمية، وسبل الارتقاء بالجامعة من واقع مُعطَّل إلى مستقبل مُفعَّل.*

*أولًا: الأهداف… بوصلة القيادة الأكاديمية*

في عالم يتسارع نبضه بالتحوّلات، لا يمكن لسفينة الجامعة أن تبحر بلا بوصلة. والأهداف، في هذا السياق، ليست مجرد شعارات تُكتب على الجدران أو تُدرج في خطط رباعية أو خماسية، بل هي نبض المؤسسة، ووقود إدارتها، ومصدر توجيهها. من دون أهداف، تصبح الرؤية ضبابًا، وتتحوّل الجهود إلى طاقات مهدورة.

إن القيادة الأكاديمية التي لا تستند إلى أهداف واضحة، قابلة للقياس والمتابعة، أشبه بمن يمشي في الظلام بلا دليل. فتحديد الأهداف ليس رفاهية تنظيمية، بل هو العمود الفقري لنجاعة الفعل الجامعي، إذ :
✓ *يُحوّل الطموح إلى خطوات واقعية وقابلة للتنفيذ.*
✓ *يضبط الإيقاع بين مختلف الفاعلين.*
✓ *ويمنح المشروع الجامعي روحًا من الانضباط والإبداع* في آنٍ واحد.

*ثانيًا : من المشاريع النظرية إلى ثقافة الإنجاز*

كم من مشروع جامعـي دُشّن بحماس وانطفأ بصمت؟
وكم من خطة وُقّعت بالأحبار العريضة، لكن لم تطأ قدماها أرض التنفيذ؟
فالمعضلة ليست في غياب المشاريع، بل في غياب ثقافة تحوّلها من أفكار إلى واقع، ومن وعود إلى نتائج. فحين تُطلق المبادرات بلا أهداف محددة، تضيع المسؤوليات، وتغيب المحاسبة، وتتيه الموارد بين الأولويات المتضاربة.
إن ثقافة الأهداف تُعيد ترتيب المشهد، وتفرض منطقًا جديدًا في الإدارة الجامعية، منطقًا يقوم على:
✓ *تحديد المسارات* .
✓ *وضع مؤشرات الأداء* .
✓ *تتبّع الإنجاز* عبر محطات زمنية واضحة.

بهذه الثقافة، تتحوّل الجامعة من هيكل إداري إلى كيان حيّ يتفاعل، ينبض بالحركة الدؤوبة والمساءلة المشروعة والتطور المستمر.

*ثالثًا: للالتحاق بركب الجامعات الرائدة نحتاج إلى قفزة ذهنية*

إن الجامعات العالمية ليست متفوقة فحسب بعدد مختبراتها أو حجم تمويلها، بل لأنها *تُدار بعقليات تعي أهمية الأهداف، وتحولها إلى ثقافة مؤسسية يومية* .
فنحن لا نحتاج فقط إلى موارد، بل إلى *تحوّل ذهني يجعل من الهدف مبدأ في التخطيط، ومن الإنجاز مبدأ في التقييم* .
✓ *في مجال البحث العلمي* :
فالنهضة المعرفية لا تُبنى على الاجتهاد الفردي فحسب، بل على رؤية جماعية تحدد ما نطمح إليه : عدد المنشورات وجودة مجلات النشر وطبيعة المشاريع فشراكات التمويل وغيرها ؛ كلها ينبغي أن تُصاغ ضمن أهداف واضحة، لا تُترك لمحض الصدفة.
✓ *في التعاون والانفتاح* :
أما الاتفاقيات الدولية فلا تُقاس بعدد الوثائق الموقّعة، بل بما تُحدثه من حركة علمية فعلية تشمل : التبادل الطلابي و الأبحاث المشتركة والبرامج المزدوجة والخبرات المتبادلة. فكل هذا لا يتحقق إلا حين تُصاغ الأهداف وتُتابَع بإرادة مؤسسية.
✓ *في رقمنة التعليم* :
أما الرقمنة فليست مجرّد تحميل للدروس على منصة، بل إنها مشروع تربوي متكامل له أهداف بيداغوجية وتكوينات مستمرة وأثر ملموس على جودة التعليم الشيء الذي يستدعي إيلاءه اهتماما خاصا ومعالجته بما يلزم من جدية ضماناً للنجاعة والفعالية.

*رابعًا : من الإدارة التقليدية إلى التسيير الاستراتيجي*

في غياب ثقافة الأهداف، تصبح الإدارة الجامعية كمن يسير في متاهة من القرارات الاعتباطية متخبّطاً بين الملفات دون بوصلة أو رؤية شاملة. أما حين تترسّخ هذه الثقافة، فإنها تحوّل التسيير إلى قيادة والموارد إلى أدواتٍ فاعلةٍ تخدمُ غايةً نبيلة.
فمن خلال منظومة قائمة على تحديد الأولويات ورسم الأهداف، وقياس النتائج، تتحقق مكاسب ملموسة أهمها :
✓ *ترشيد الموارد المالية والبشرية* وفق أولويات علمية لا مجاملات شخصية.
✓ *تحفيز الكفاءات* عبر ربط الأداء بالمكافآت والإقبال على التكوين المستمر.
✓ *تفعيل مبدأ المحاسبة* ، حيث يُكافأ من أنجز دون غيره، ويشجع من اجتهد بدلا من أن يهمش ؛ فيُنصَف بذلك الجميع ضمن *إطار واضح وشفاف* . فما لا يمكن قياسه، لا يمكن تدبيره. وبالتالي، فإن الإدارة بلا أهداف، تشبه بستانًا دون رَيّ ولا رعاية، لا ينبت فيه سوى الأعذار.

*خامسًا: عندما تُثمر الأهداف – تزدهر الجامعة ومكوناتها*

حين تتحوّل ثقافة الأهداف إلى ممارسة يومية، فإن أثرها لا ينحصر على الإدارة، بل إنه يمتدّ ليشمل جميع مكونات الجامعة، من أساتيذ وباحثين إلى موظفين وطلبة.
✓ *بالنسبة للأساتيذ الباحثين* :
تمنحهم الأهداف وضوحًا في المهام، وعدلاً في التقييم، وفرصًا للنمو والتطوير. فبدل أن يُقاس الأداء بكثرة الأوراق الموقّعة، يصبح المقياس هو جودة التدريس، وحجم الإنتاج العلمي، والمساهمة في إشعاع الجامعة.
✓ *بالنسبة للموظفين* :
تُخرجهم من عباءة الروتين وتُسند إليهم أدوارًا واضحة في تنفيذ الخطة الجامعية. فيصبح بذلك كل موظف جزءًا من منظومة ذات معنى ويشعر بانتمائه لمشروع أكبر منه فيسخر كل طاقته لإنجاحه.
✓ *بالنسبة للطلبة* :
يجدون أنفسهم يستفيدون من تجربة تعليمية متكاملة، مبنية على أهداف بيداغوجية واضحة ومهارات هادفة مؤهِّلة ومسارات مهنية مُحكمة واعدة. فالطالب في جامعة ذات أهداف، ينبغي اعتباره شريكا لا مُستهلكا، فاعلا لا متفرّجا.

*لقد آن الأوان، فلنخرج من “دوائر النوايا” إلى “مساحات الإنجاز”*

لسنا في حاجة إلى مزيد من التصريحات، ولا إلى خُطط جديدة تُضاف إلى أرشيف الخطط السابقة. فما نحتاجه فعلاً هو تحوّلٌ ثقافيٌّ عميق في كيفية إدارة الجامعة، قوامه أن :
✓ *نفكّر بالأهداف قبل الإجراءات* .
✓ *نجعل من الأداء معياراً القياس بدلا من الحضور* .
✓ أن *نُحاسِب على النتائج لا على النوايا.*
حينها فقط، تتمكن الجامعة من التحرر من رتابة التسيير، فتستعيد مكانتها بوصفها منارة للعلم، ومصنعًا للفكر، وقاطرةً للتنمية.
*فليكن لكل رؤية هدف، ولكل هدف خطة ولكل خطة عمل، ولكل عمل أثر* .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.