✍🏼بقلم : [ذ.هشام الدكاني]
أثار ضبط أستاذ جامعي وهو يبيع شهادة الماستر مقابل مبلغ مالي موجة من الغضب والسخط الشعبي ، وٱنتشرت صور الواقعة كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الإجتماعي ، وٱنهمرت التعليقات والتنديدات ، وكأن الجميع ٱكتشف فجأة أن في الجامعة فساداً.
لكن ، وسط هذا السيل من الإدانة ، يغيب سؤال جوهري:
– هل يُمكن لأستاذ جامعي ، مهما علا مقامه ، أن يبيع شهادة بمفرده؟
الجواب واضح لكل من يعرف كيف تشتغل منظومة التعليم العالي.
بالطبع لا ، الشهادة لا تُمنح بتوقيع فردي ، بل تمر عبر مسارات إدارية مضبوطة ، وتُعرض على لجان علمية ومجالس متعددة…
– فهل ٱجتاز هذا (البائع) كل هذه الحواجز لوحده؟
– أم أن هناك شبكة صامتة تغض الطرف ، وتتغذى على هذا النوع من الصفقات؟
إن الأستاذ الذي ضُبط ، على خطورته ليس سوى واجهة صغيرة لمنظومة أعقد بكثير… حيث يُباع الضمير يوميا ، لكن بأشكال أكثر أناقة وأقل إثارة للجدل.
هناك من يبيع ورقة مزورة ، نعم.. لكن هناك من يبيع المبدأ ، الكفاءة والحق في التقدم العلمي…
هناك من يمنح نقطة لمن لا يستحق ويقصي من يستحق ، فقط لأن هذا (ابن أو ٱبنة فلان) ، وذاك (لا يتوافق معنا…)
وهناك من يصوّت داخل لجان الترقية والإنتقاء بدافع المحسوبية والإنتماء ، لا بدافع الكفاءة والمعايير الأكاديمية!
– فأي الجريمتين أخطر؟
– جريمة بيع شهادة فردية ، أم جريمة تحويل الجامعة إلى سوق للولاءات والصمت والرداءة؟
ومع ذلك ، لا تتوقف القصة عند أسوار الجامعة ، فحين نعود بضع خطوات إلى الوراء ، سنجد أن الخطر الأكبر ليس في بيع شهادة هنا أو هناك ، بل في بيع مؤسسات الدولة نفسها!
فمنذ سنوات ، بيعت أهم القطاعات الإستراتيجية في البلاد تحت عنوان الخوصصة (الماء ، الكهرباء ، الإتصالات ، الموانئ ، شركات النقل ، حتى التعليم والصحة!!) ، جميعها أصبحت اليوم تحت رحمة منطق السوق والربح.
ما كان ملكا عاما.. أصبح ملكا خاصا.
وما كان حقا للمواطن.. أصبح خدمة مشروطة بالقدرة على الدفع.
وهنا يجب أن نسأل:
– هل من باع شهادة ماستر أخطر ، أم من وقّع على بيع قطاع بأكمله؟
– من قبض ثمن وثيقة أكاديمية ، أم من قبض مقابل تهميش أجيال بأكملها؟
بيع الشهادات جريمة ، نعم.. لكن بيع الضمير ، ثم بيع مؤسسات الدولة ، فذلك جُرمٌ أعظم… لا يُحاسَب أصحابه ، بل يُكافَأون بالمناصب ، والإمتيازات والألقاب!!!
إذا كنا فعلا نريد الإصلاح ، فليكن شاملا ، لا ٱنتقائيا.
لا نجعل من الأستاذ المتهم (كبش فداء) ، بينما تمر قوافل الفساد الكبرى في صمت مريب.
ولنُدرك أن الأخطر من «بيع شهادة»… هو أن نعيش في وطن يُباع كل يوم.. ونحن نصفّق.