من باع شهادةً… ومن باع وطناً؟…

0 1٬824

 

 

✍🏼بقلم : [ذ.هشام الدكاني]

 

أثار ضبط أستاذ جامعي وهو يبيع شهادة الماستر مقابل مبلغ مالي موجة من الغضب والسخط الشعبي ، وٱنتشرت صور الواقعة كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الإجتماعي ، وٱنهمرت التعليقات والتنديدات ، وكأن الجميع ٱكتشف فجأة أن في الجامعة فساداً.

لكن ، وسط هذا السيل من الإدانة ، يغيب سؤال جوهري:

– هل يُمكن لأستاذ جامعي ، مهما علا مقامه ، أن يبيع شهادة بمفرده؟

الجواب واضح لكل من يعرف كيف تشتغل منظومة التعليم العالي.

بالطبع لا ، الشهادة لا تُمنح بتوقيع فردي ، بل تمر عبر مسارات إدارية مضبوطة ، وتُعرض على لجان علمية ومجالس متعددة…

– فهل ٱجتاز هذا (البائع) كل هذه الحواجز لوحده؟

– أم أن هناك شبكة صامتة تغض الطرف ، وتتغذى على هذا النوع من الصفقات؟

إن الأستاذ الذي ضُبط ، على خطورته ليس سوى واجهة صغيرة لمنظومة أعقد بكثير… حيث يُباع الضمير يوميا ، لكن بأشكال أكثر أناقة وأقل إثارة للجدل.

 

هناك من يبيع ورقة مزورة ، نعم.. لكن هناك من يبيع المبدأ ، الكفاءة والحق في التقدم العلمي…

هناك من يمنح نقطة لمن لا يستحق ويقصي من يستحق ، فقط لأن هذا (ابن أو ٱبنة فلان) ، وذاك (لا يتوافق معنا…)

وهناك من يصوّت داخل لجان الترقية والإنتقاء بدافع المحسوبية والإنتماء ، لا بدافع الكفاءة والمعايير الأكاديمية!

– فأي الجريمتين أخطر؟

– جريمة بيع شهادة فردية ، أم جريمة تحويل الجامعة إلى سوق للولاءات والصمت والرداءة؟

 

ومع ذلك ، لا تتوقف القصة عند أسوار الجامعة ، فحين نعود بضع خطوات إلى الوراء ، سنجد أن الخطر الأكبر ليس في بيع شهادة هنا أو هناك ، بل في بيع مؤسسات الدولة نفسها!

فمنذ سنوات ، بيعت أهم القطاعات الإستراتيجية في البلاد تحت عنوان الخوصصة (الماء ، الكهرباء ، الإتصالات ، الموانئ ، شركات النقل ، حتى التعليم والصحة!!) ، جميعها أصبحت اليوم تحت رحمة منطق السوق والربح.

ما كان ملكا عاما.. أصبح ملكا خاصا.

وما كان حقا للمواطن.. أصبح خدمة مشروطة بالقدرة على الدفع.

وهنا يجب أن نسأل:

– هل من باع شهادة ماستر أخطر ، أم من وقّع على بيع قطاع بأكمله؟

– من قبض ثمن وثيقة أكاديمية ، أم من قبض مقابل تهميش أجيال بأكملها؟

 

بيع الشهادات جريمة ، نعم.. لكن بيع الضمير ، ثم بيع مؤسسات الدولة ، فذلك جُرمٌ أعظم… لا يُحاسَب أصحابه ، بل يُكافَأون بالمناصب ، والإمتيازات والألقاب!!!

 

إذا كنا فعلا نريد الإصلاح ، فليكن شاملا ، لا ٱنتقائيا.

لا نجعل من الأستاذ المتهم (كبش فداء) ، بينما تمر قوافل الفساد الكبرى في صمت مريب.

ولنُدرك أن الأخطر من «بيع شهادة»… هو أن نعيش في وطن يُباع كل يوم.. ونحن نصفّق.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.