بقلم : حفيظ صادق
في عمق الأزقة القديمة، حيث تتمازج رائحة البحر مع عبق التاريخ، تقف ساعة الصويرة شامخة، كأنها حارسة الزمن في مدينة نُسجت من الريح والملح والفن. ليست مجرد ساعة تدق على رأس كل نصف ساعة، بل معلمة نابضة بالحياة تختزل في صمتها المتأمل ذاكرة مدينة عريقة اسمها موكادور، التي تحولت بفضل عبقها التاريخي والفني إلى لؤلؤة الأطلس وسحر المغرب الهادئ. تتربع ساعة الصويرة فوق برجٍ شاهق يعلو بوابة تاريخية تعرف باسم “باب المكانة” أو كما سماها النسوة قديماً “باب الرحمة”. هذه البوابة ليست فقط نقطة عبور بين القصبة القديمة والجديدة، بل بوابة إلى ماضٍ مملوء بالقصص والأساطير والرموز.
يرجع بناء هذه البوابة إلى سنة 1764، حين أمر السلطان سيدي محمد بن عبد الله بتشييد المدينة في إطار مشروع عمراني وحضاري كبير لربط المغرب بالعالم عبر التجارة البحرية والثقافية. وكانت البوابة حينها واحدة من عدة مداخل إلى القصبة، غير أن الزمن أَبقى “باب المكانة” الوحيدة التي صمدت وسط تقلبات التاريخ. في عشرينيات القرن الماضي، ومع بروز الحاجة لتنظيم الوقت في المدينة التي بدأت تنمو وتتوسع، اجتمعت السلطات المدنية والعسكرية – خاصة جماعة “آيت الربعين” – لاقتراح تثبيت ساعة مركزية ترمز للتقدم والتنظيم. اقترح البعض آنذاك أن توضع الساعة في سوق الجديد، غير أن جمالية هذا الفضاء المفتوح ورونقه الفني المعماري جعلت القرار يتغير. لتُبنى الساعة أخيراً فوق باب الرحمة، في القصبة، في مكان يعلو المدينة ويطل على روحها.
في سنة 1926 بدأ بناء البرج الذي سيرتفع حوالي 15 متراً ليحمل في قمته ساعة ذات أربع وجوه. وقد تم استقدام آلية الساعة من باريس، وصنعها المهندس الفرنسي “هنري لوبوت” الذي سبق له أن وضع توقيعه في العديد من الساعات الكبرى مثل تلك التي في قصر العدل في باريس وبورصة مرسيليا. الساعة كانت تُعد وقتها من روائع الدقة والميكانيكا، تضبط الوقت وتنقر نصف ساعة بدقة متناهية، وتطل بوجوهها الأربعة على شرايين المدينة: الواجهة الغربية نحو ساحة الشفشاوني، والجنوبية نحو المشور، الذي يعتبر في المدن الإمبراطورية فضاء ملكياً. استمرت الساعة في أداء دورها لعقود، حتى سنة 1997، حيث توقفت عن العمل، وسادها صمت حزين يشبه توقف قلبٍ عن الخفقان. بقيت هكذا سنوات طوال، شاهدة على الإهمال والتراجع، إلى أن عادت الحياة إليها سنة 2012 بفضل مشروع ترميم شامل أعاد بناء البرج والآلية الداخلية للساعة بدقة تراثية معاصرة. ومنذ ذلك الحين، صارت الساعة تنبض من جديد، تدق كل نصف ساعة كأنها تنثر الزمن في دروب المدينة العتيقة، وتعيد إيقاع الحياة لسكان الصويرة وزوارها.
ليست ساعة الصويرة مجرد أداة لقياس الوقت، بل صارت رمزاً للذاكرة الحضرية ومَعلمة تاريخية وروحية في آن. يلتقي عندها العشاق، يتواعد السائحون، ويشير إليها أبناء المدينة كعلامة دالة على المسار والهوية. في كل دقة تصدرها، هناك قصص ماضية، وأحلام حاضرة، وآمال مستقبلية. تقف هناك، متواضعة وفخورة في آنٍ معاً، تراقب البحر، وتحصي دقات الزمن الذي لا يشيخ أبداً في موكادور.