يموت الجبناء وهم أحياء… ويعيش الشجعان وهم أموات!…

0 1٬783

 

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في زمن ٱنقلبت فيه الموازين ، وتحولت فيه القيم إلى شعارات معلّبة ، بات الجبن يُقدّم على أنه حكمة ، والإنبطاح يُسوّق كأنه «واقعية سياسية».

الجبناء يسيرون بيننا مرفوعي الرأس ، لا لأنهم عظماء.. بل لأن الأحرار إما في السجون ، أو في المنافي ، أو تحت التراب!

 

الجبناء يموتون ألف مرة وهم على قيد الحياة ، يدفنون ضمائرهم خوفا ، ويتنازلون عن مواقفهم طمعًا، ويتزيّنون بأقنعة الوطنية لتغطية خضوعهم المُخزِي…

لا يغيّرون شيئا ، لا يُخلّدهم التاريخ ، وإن ذكرهم.. ففي الهامش.

هم أشبه بأثاث سياسي متآكل ، يُستعمل عند الحاجة ويُلقى عند الإستغناء.

 

أما الشجعان ، فهم أولئك الذين يكتبون التاريخ بمدادٍ من دم ووجع.

يصرخون في وجه الطغيان…

يُفضَحون ، يُكفَّرون ، يُخوّنون ، لكنهم لا يموتون.

أجسادهم تغيب ، بينما أرواحهم تُزهِر في كل صوت حر ، وفي كل فكرة عصيّة على التدجين.

 

«تشي غيفارا» ، الطبيب الثائر ، لم يكن رئيسا ولا وزيرا ، لكنه حوّل موته إلى حياة خالدة.

رفض الخضوع ، وترك نعيم المنصب ليحمل البندقية دفاعا عن المستضعفين.

قتلوه نعم ، لكنهم لم ينجحوا في ٱغتيال فكرته… صارت صورته أيقونة ، وكلماته ترسانة، وموقفه خريطة لمن ٱختاروا الكرامة على السلامة.

 

وفي بلدي المغرب ، لا نحتاج إلى البحث بعيدا عن نماذج الشجاعة ، لأنها عدة…

كتبت عن الفساد ، عن ٱنتهاك الأرض ، عن صفقات التواطؤ…

صرخت حين ٱختار الجميع الصمت ، فدفعت الثمن… لكن صمودها ، جعل منها رمزا لجيل يرفض أن يُدفن وهو على قيد الحياة.

لم تنتصر على السلطة ، لكنها ٱنتصرت على الخوف ، وهذا وحده يكفي.

 

تأمّل المشهد العربي…

– كم من«غيفارا» كان هنا؟

– وكم من «زيد وعمر» بيننا ينتظر مصيره؟

نحن في زمن تُكافأ فيه الرداءة ، ويُحاكم فيه الشجعان بتهمة رفع الصوت.

ساسة يبيعون الأوهام على أرصفة الإعلام!

نخب ثقافية تشترِي صمتها بوظيفة!! وشعوبٌ تدرّبت على الخوف حتى صارت تتنفسه!!!

أنظمة لا تبني الإنسان.. بل تستثمر في جهله وخنوعه.

 

أما في بلدي… فحدّث ولا حرج!

نحتفل بتفاهة بعض الوزراء ، ونحوّل تصريحاتهم إلى عروض هزلية.

نرفع شعارات (النموذج التنموي الجديد) ، بينما التعليم يحتضر ، والصحة تختنق ، والعدالة تُصارع في غرفة الإنعاش…

 

نُبهر العالم بـ(الفرجة) ، ونُسكت الداخل بـ(الحيلة).

يُصنّف الصراخ جريمة ، ويُمنح الإنبطاح وسام الإستحقاق.

أما الشعب.. فقد تعلّم أن يسخر من ألمه ، لا لأنه غبي ، بل لأنه تعب… تعب من الإنتظار ، من التسويف ، من الأحلام المؤجلة ، ومن وطنٍ يُطالَب بحبه دون أن يُحبّه أحد في المقابل.

 

ومع ذلك ، لا تزال هناك أصوات لا تعرف الخنوع ، أصوات تعرف أن الشجاعة قد تكون مكلفة.. لكنها وحدها تمنح الحياة معناها.

لذلك نهمس في آذان الطغيان: «الشجعان لا يموتون ، قد يُغتالون ، قد يُغيّبون ، لكنهم يعودون في كل صرخة ، في كل ٱحتجاج ، في كل حرف يكتبه قلم حر ، وفي كل عين لم تتعود على النظر إلى الأرض».

 

لهذا أقولها مجددا وبكل يقين:

«يموت الجبناء وهم أحياء…

ويعيش الشجعان وهم أموات».

لأنهم وحدهم من جعلوا الموت حياة.. والحياة مواقف.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.