من “اقرأ” إلى “انسخ واملأ الفراغ”: التعليم بالمغرب بين ماضٍ يضيء وحاضرٍ مظلم .

0 436

 

 

بقلم: حفيظ صادق

 

ذات زمن، كانت “القراية” شيئًا نحبه ونخافه في آن واحد. لم نكن نذهب للمدرسة فقط لنكتب ونقرأ، بل لنتعلّم الحياة من معلمينا، من “الفقيه” في الجامع، من اللوحة والسمخ، من صوت البوردة والتفسير، ومن خشبة الصلصال التي كانت تختبر صبرنا وتهذب خطّنا. كان دخولنا المدرسة لحظة استثنائية. اشترى لنا الآباء “صندرة فرنسا”، و”تريكو جكار”، و”سروال دانكري”. حملنا ألواحنا ودفاترنا ذات الاثنتي عشرة ورقة، وتعلّمنا القراءة من أحمد بوكماخ، الأب الروحي لتعليم جيل بكامله. قرأنا “اقرأ”، وعرفنا من خلالها معنى الوطن والانتماء واللغة الجميلة.

 

في “الابتدائي الثاني”، عرفنا الفرنسية، الرياضة، و”فلاندوس”، وتفتّحت عقولنا على عوالم جديدة. لم ننسَ من علمونا، ولا زلنا نذكر كيف كنا نكتب إنشاءً بالعربية والفرنسية بخط أنيق رغم صغر أعمارنا. أما اليوم، فإننا نعيش عصر “كوبي كولي”—جيل النسخ واللصق. اختفت القيم التي كنا نراها في حارس المدرسة، في المدير المهاب، وفي المعلم الذي لم يكن يدخّن علنًا أو يتجاوز حدوده مع التلاميذ. لاسويعات إضافية كانت، ولا جمعيات ولا “مسار”، بل تعليم بسيط ومتين. كنا نخاف أن يرانا المعلم في الزنقة. كتبنا العقوبات، نظّفنا الأقسام، أكلنا في “لاكانتين”، نظّفوا أظافرنا، حلقوا رؤوسنا، وطبّبونا ضد القمل وكنّا نحبهم ونحب المدرسة.

 

أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء. تقرير حديث لليونسكو صنّف التعليم في المغرب ضمن أسوأ الأنظمة عالميًا، في المرتبة 121. أضحت المدارس الخصوصية، والدروس المدفوعة، واللامبالاة هي العنوان. رحل بوكماخ، وترك خلفه فراغًا كبيرًا لم يملأه أحد. في زمننا، كان التعليم حكاية كرامة وهوية… اليوم، صار حكاية تجريب وضياع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.