صرخة احتجاج (الهامش الأول)»: الشعر بوصفه خطاب مقاومة وهدم رمزي.

0 412

متابعة /حامد الزيدوحي

بيان مراكش Bayanemarrakech

بقلم / الكاتب والمسرحي خالد شريف

… ملخّص
تمثّل قصيدة «صرخة احتجاج (الهامش الأول)» لشاعر المغربي نصرالدين خيامي بلمهدي.
نموذجًا لنص شعري احتجاجي ينتمي إلى أدب الهامش، حيث تتقاطع فيه اللغة العامية، والعنف الرمزي، والخطاب السياسي، ضمن بنية تفكيكية ترفض الأطر الجمالية التقليدية، وتسعى إلى مساءلة الواقع العربي المعاصر أخلاقيًا وثقافيًا. لا يهدف النص إلى الإمتاع الجمالي بقدر ما يسعى إلى إنتاج صدمة وعي، عبر لغة صدامية تعكس طبيعة القمع والاختلال القيمي الذي يتناوله.

…أولًا: الإطار النوعي للنص
لا يمكن قراءة «صرخة احتجاج» ضمن التصنيفات الشعرية الكلاسيكية، إذ يتجاوز النص مفهوم “القصيدة” بوصفها بنية جمالية مغلقة، ليدخل في نطاق الخطاب الشعري الاحتجاجي الذي يقترب من:
شعر المقاومة
أدب الصدمة
الكتابة من موقع الهامش الاجتماعي والسياسي
في هذا السياق، يصبح النص أقرب إلى وثيقة ثقافية تسجّل حالة انهيار بنيوي في المنظومة القيمية، أكثر من كونه عملًا شعريًا يسعى إلى الانسجام أو التوازن الفني.

… ثانيًا: الهامش بوصفه موقعًا معرفيًا

يشير العنوان الفرعي «الهامش الأول» إلى وعيٍ حاد بموقع المتكلم خارج المركز. فالهامش هنا ليس موقع ضعف، بل موقع رؤية؛ إذ يقدّم النص معرفة نابعة من التجربة المباشرة للقمع، لا من الخطاب الرسمي أو النخبوي.
وبذلك، يعيد الشاعر تعريف العلاقة بين المركز والهامش، حيث:
يصبح الهامش حاملًا للحقيقة
ويتحوّل المركز إلى فضاء للزيف وإعادة إنتاج السلطة

… ثالثًا: اللغة العامية كخيار أيديولوجي
اعتماد العامية في النص لا يمكن فهمه بوصفه اختيارًا شكليًا، بل باعتباره موقفًا لغويًا–سياسيًا. فاللغة الفصحى، في وعي النص، ارتبطت تاريخيًا بالخطاب المؤسسي: الخطب، البيانات، الشعارات، والتبريرات. في المقابل، تأتي العامية بوصفها:
لغة اليومي
لغة القمع المباشر
لغة الفئات المهمّشة
وبذلك، يرفض النص ما يمكن تسميته بـ«البلاغة السلطوية»، ويؤسس لبلاغة بديلة، قوامها الفجاجة، والتكرار، والتكسير المتعمّد للذائقة.

… رابعًا: العنف اللغوي بوصفه استراتيجية جمالية
أكثر عناصر النص إثارة للجدل هو استخدامه المكثف للغة صادمة وعنيفة. غير أن هذا العنف لا يمكن قراءته بوصفه فوضى لغوية أو استفزازًا مجانيًا، بل كـاستراتيجية فنية واعية تهدف إلى:
تجسيد العنف البنيوي الذي تمارسه السلطة
كسر حالة التبلّد الأخلاقي لدى المتلقي
نزع القداسة عن الرموز السياسية والاجتماعية الزائفة
في هذا الإطار، تتحول الجسدانية المفرطة في اللغة إلى استعارة كبرى للاختراق، والإذلال، وفقدان السيادة، سواء على مستوى الفرد أو الوطن.

… خامسًا: البنية التكرارية والآهات
يعتمد النص على تكرار منظّم لعبارات الندب (الأولة/التانية/التالتة)، وهو تكرار يؤدي وظيفة دلالية تتجاوز الإيقاع، ليؤسس لبنية تراكمية تعبّر عن:
استمرارية القمع
تكرار الخيبات
وانسداد الأفق التاريخي
الآه في هذا السياق ليست علامة ضعف، بل صيغة احتجاج صوتي، تتحول فيها الشكوى إلى اتهام، والرثاء إلى إدانة.

… سادسًا: فلسطين بوصفها معيارًا أخلاقيًا
تحضر فلسطين في النص لا بوصفها شعارًا سياسيًا، بل كرمز أخلاقي كاشف. فهي تمثل النقطة التي ينكشف عندها زيف الخطابات القومية والدينية، ويتضح حجم الانفصال بين القول والفعل. ومن هذا المنطلق، تصبح فلسطين في القصيدة:
اختبارًا للضمير الجمعي
وعلامة على اكتمال الانهيار حين تتحوّل إلى قضية هامشية

… سابعًا: غياب الخلاص
يخلو النص من أي أفق خلاص أو مشروع بديل، وهو خيار جمالي ودلالي مقصود. فالشاعر لا يسعى إلى تقديم حلول، بل إلى تشخيص الحالة. وبهذا، ينسجم النص مع أدبيات ما بعد الهزيمة، حيث يصبح الاعتراف بالانسداد شرطًا أوليًا لأي مساءلة حقيقية.

… خاتمة
تمثّل «صرخة احتجاج (الهامش الأول)» نصًا إشكاليًا بامتياز، لا يسعى إلى إرضاء القارئ أو التكيّف مع معايير النشر المريحة، بل يفرض نفسه كخطاب مقاومة لغوية وثقافية. قوّته لا تكمن في توازنه الجمالي، بل في توتّره، وفي قدرته على تحويل الشعر إلى أداة مساءلة، وفضح، وهدم رمزي للواقع القائم.
إنه نص يذكّر بأن الشعر، في لحظات الانحطاط التاريخي، لا يكون زينة ثقافية، بل فعل مواجهة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.