مثلث برمودا: فياجرا السلطة و بخور الديوان و نقابة الخيانة ثلاثية الشعوذة في مدينة الأشباح ! بقلم : عبد القادر العفسي

0 2٬466

 الحبلين: يظهر بمظهر المعارض الشرس في العلن، لينفّس عن الاحتقان الاجتماعي ويحتوي الغضب الشعبي، بينما في الكواليس، يعمل كجاسوسٍ مخلصٍ للرئيس و من يدفع و لدوائر عدة ! ينقل أخبار الكل ونواياهم، ويُجهض أي محاولةٍ جادةٍ لتنظيم وقفة أو احتجاج …

دوره لا يقتصر على التخدير والتضليل، بل يتعداه إلى تنفيذ المهام الأكثر قذارة : ترهيب المعارضين الحقيقيين، فبركة الملفات، نشر الإشاعات المغرضة، تنظيم المسيرات “العفوية” المؤيدة  عند الحاجة، وحتى، كما يُهمس في الصالونات المغلقة، التورط في أعمال عنفٍ رمزي  ضد كل من يجرؤ على تحدي المنظومة ، انحرافه السياسي ليس مجرد تحولٍ تكتيكيٍّ أو براغماتيةٍ زائفة، بل هو خيانةٌ عميقةٌ للمبادئ التي يدعي الدفاع عنها، سقوطٌ مدوٍّ في وحل الانتهازية والمصلحة الشخصية، لقد أدرك بذكاءٍ شيطانيٍّ أن “النضال” في ظل نظام فاسد يمكن أن يكون مربحاً أكثر من النضال ضده ، فبدلاً من تغيير الواقع، اختار التكيف معه والاستفادة منه، يبيع الوهم للعمال، ويبيع ولاءه للخارج كما كان هو و الرئيس ، ويقبض الثمن من كل الأطراف !.

إنه يجسد بشكلٍ مأساويٍ ما أسماه البعض “البنية التحتية الأيديولوجية” للفساد، ذلك الغطاء “التقدمي” أو “النضالي” الذي يضفي شرعية زائفة على نظامٍ قائم على النهب والاستغلال، هو التجسيد الحي لـ”وعي الشقاء” الذي يمنع المقهورين من رؤية واقعهم الحقيقي، ويحول نضالهم المشروع إلى مجرد طقوس شكليةٍ لا تهدد أسس النظام القائم، وجوده ضروريٌّ لاستمرار اللعبة، فهو يضمن بقاء الصراع في حدودٍ شكليةٍ، ويمنع الانفجار الحقيقي الذي قد يطيح بالجميع: الرئيس، والمدير المشعوذ، والنقابي نفسه، هذه ليست مجرد حكاياتٍ فرديةٍ عن شخوصٍ منحرفة اجتمعت صدفةً في بقعةٍ منكوبةٍ من الجغرافيا والتاريخ، إنها تجليات صارخةٌ لبنية عميقةٍ من الهيمنة، لـ”حقلٍ” اجتماعيٍ وسياسيٍ موبوء تتصارع فيه قوى مختلفة، ليس بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إنتاج وترسيخ أشكالٍ من “العنف الرمزي” الذي يجعل الخضوع يبدو طبيعياً، بل وحتى مرغوباً فيه أحياناً .

فالرئيس، بسلطته المستمدة من منصبه الهش وعجزه الشخصي المتضخم، لا يمارس فقط القمع المادي المباشر، بل يفرض “ذوقه” الرديء، منطقه الأعوج، ورؤيته القاصرة كـ”حقيقةٍ” موضوعية لا تقبل الجدال، يصبح جسده المأزوم، ورغباته المكبوتة، هي المقياس الذي تُقاس به أمور المدينة ومصائر سكانها، إنه يجسد تلك السلطة التي لا تكتفي بالتحكم في الأفعال، بل تسعى للتحكم في الأفكار والمشاعر، في “الهابيتوس”، في تلك الاستعدادات والتصورات الداخلية التي تجعلنا نتقبل ما لا يُحتمل، أما مدير الديوان المشعوذ، فهو يمثل الوجه الآخر، الأكثر قتامة وربما الأكثر فعالية، لهذه السلطة، إنه يتقن لعبة “المعرفة قوة”، ولكن معرفته ليست علمية أو عقلانية، بل هي معرفةٌ غامضةٌ، باطنيةٌ، مستمدةٌ من عالم الخرافة والوهم، هذه “المعرفة” تمنحه سلطةً هائلة، ليس فقط على مرؤوسيه ومنافسيه الذين يخشون “بأسه” الخارق، بل حتى على رئيسه الذي يرى فيه ملاذاً من قلقه الوجودي، السحر هنا ليس مجرد طقسٍ فولكلوري، بل هو “تقنية حكم” متكاملة، آليةٌ لإنتاج الطاعة وترويض النفوس، شكل من أشكال “السلطة الرعوية” التي تدعي رعاية الأفراد بينما هي تستعبدهم باسم قوى غيبية ،إنه يحول الفساد من مجرد ممارسة إجرامية إلى نظام له منطقه الداخلي، له “روحانيته” الخاصة التي تبرره وتحصنه .

ثم، يأتي دور النقابي “الشيوعي” ليكمل دائرة الهيمنة، إنه يمثل الذراع الأيديولوجية للنظام، الجهاز الذي يحول الصراع الطبقي الحقيقي إلى مجرد تمثيليةٍ هزلية، هو”المثقف العضوي! ” للفساد، الذي يستخدم لغة الثورة لتبرير الاستغلال، ويستعمل أدوات النضال لخدمة أعداء النضال، إنه يدير “اقتصاد الألم”، يستثمر في يأس الناسومعاناتهم ليحولها إلى رأسمالٍ سياسيٍ يضعه في خدمة أسياده، دوره لا يقل أهمية عن دور المشعوذ؛ فإذا كان الثاني يروض النفوس بالخوف من المجهول، فإن الأول يروضها بالوهم والأمل الكاذب، بتلك الجرعات المخدرة من الشعارات الجوفاء التي تمنع الوعي الحقيقي من التشكل.

الثلاثة معاً – الرئيس العاجز، المدير المشعوذ، والنقابي الخائن – يشكلون بنيةً متكاملةً للسيطرة، حيث تتضافر السلطة السياسية الرسمية، مع سلطة الخرافة، مع سلطة الأيديولوجيا المخادعة، لخلق واقعٍ مشوه، لإنتاج “مواطن” مذعنٍ، مستسلمٍ، فاقدٍ للقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، بين الجلاد والضحية، إنها ليست مجرد مجال فاسد، بل هي “آلة” معقدة لإنتاج وإعادة إنتاج التخلف والتبعية، آلةٌ تطحن ليس فقط موارد المدينة، بل أرواح سكانها أيضاً، وتحولهم إلى مجرد أشباحٍ تائهة في مدينة يحكمها السفاحون الصغار وأسيادهم الكبار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.