فضيحة الشهادات الجامعية بأكادير: الانفجار المتأخر لخلل بنيوي عميق في التدبير الجامعي

0 312

لم تكن الضجة الواسعة التي أثارتها فضيحة بيع وشراء الشهادات الجامعية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير سوى نتيجة طبيعية لزمن من التغاضي المؤسسي والتراكمات غير السليمة داخل منظومة التعليم العالي. فالقضية، التي شغلت الرأي العام مؤخراً، لم تهبط من فراغ، بل تمخضت عن سنوات من الإشارات والإنذارات التي اختارت الإدارة الجامعية تجاهلها أو الالتفاف عليها.

النقابة المغربية للتعليم العالي والبحث العلمي، عبر مكتبها المحلي، كانت أول من رفع الستار عن خيوط هذا العبث، مؤكدين بالوثائق والشهادات أن الانحرافات المسجلة في مسلك ماستر “المنظومة الجنائية والحكامة الأمنية” ليست جديدة، بل سبقتها نداءات ومواقف احتجاجية تعود إلى عام 2018، حين بدأت بوادر الخلل تلوح في الأفق من خلال اختلالات في انتقاء الطلبة وتمويل تجهيزات الماستر.

الأستاذ أحمد قيلش، منسق هذا الماستر، وجد نفسه في قلب هذه الزوبعة، وسط اتهامات تتعلق بسوء التدبير، وتضارب المصالح، واستغلال الطلبة في أنشطة غير أكاديمية، بل وحتى التشهير والابتزاز. ووفقاً للنقابة، فإن ما حدث لم يكن سوى تتويج لمسار طويل من التسيب، الذي لم تقف أمامه الإدارة بحزم إلا بعد أن بلغت الأمور حداً لم يعد يُحتمل.

في عام 2020، أعدت النقابة ملفاً شاملاً أحالته إلى وزارات ومؤسسات دستورية، مدعّماً بمعطيات وشكايات قانونية، لكن الردود الرسمية ظلت دون التوقعات، ما زاد من تعقيد الوضع داخل الكلية. ومع تصاعد الضغط، اضطرت العمادة إلى اتخاذ إجراءات جزئية، من بينها إلغاء تجهيزات وصفت بـ”الفلكلورية”، وتجميد الماستر المعني، وإحالة عدد من الطلبة على المجلس التأديبي، الذي قرر طردهم صيف 2024. غير أن غياب مصادقة رئيس الجامعة على القرار فتح الباب مجدداً لتساؤلات حول مدى استقلالية القرار الإداري وجدية الإصلاح.

النقابة، في بيانها الأخير، شددت على أن الأمر لا يخص شخصاً أو ماستراً بعينه، بل يعري خللاً بنيوياً في تدبير الشأن الجامعي، حيث تتغذى ممارسات الزبونية والمحسوبية على ضعف الرقابة وغياب المحاسبة. ورفضت في الوقت ذاته أي مسعى لتعميم الاتهامات على الجسم الأكاديمي، مثمنة مواقف من وصفوهم بـ”الأساتذة الشرفاء” الذين اختاروا المواجهة بدل الصمت، رغم محدودية الإمكانيات.

اليوم، يبدو أن الجامعة المغربية، في لحظة محورية، بحاجة إلى وقفة حقيقية، لا تكتفي بالحلول الترقيعية، بل تضع اليد على أصل الداء، وتشرع في إصلاح جريء وشجاع. ذلك أن فضائح مثل هذه لا تسيء فقط إلى مؤسسات التعليم العالي، بل تزعزع ثقة المجتمع بأكمله في مشروعية الشهادة الجامعية، وتضع مستقبلاً أكاديمياً بأكمله على المحك.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.