✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في المغرب ، لا تخلو المستشفيات من لافتات تدعو للتبرع بالدم ، ولا تمر بضعة أسابيع دون حملات مكثفة تستهدف الأحياء الشعبية ، حيث المواطن البسيط يتجاوب مع النداء بدافع الإنسانية والتضامن… لكنه حين يحتاج قطرة دم لإنقاذ حياته أو حياة قريب له ، يجد نفسه أمام فاتورة مرتفعة ، وكأن الدم الذي وهبه عن طيب خاطر تحول إلى سلعة تخضع لمنطق السوق والمضاربة!
الغريب-العجيب في الأمر ، لا نرى حملات التبرع هذه تستهدف الأحياء الراقية ، وكأن أهلها معفيون من التضامن ، لكنهم أول المستفيدين عندما يتطلب الأمر عمليات نقل دم مستعجلة!!
في المقابل ، الفقير الذي تبرع بدمه دون مقابل ، يضطر لشرائه عندما يحتاجه ، وبثمن لا يرحم!!!
– هل أصبح المواطن الضعيف هو المورد الرسمي لبنوك الدم ، بينما الميسور هو المستهلك المحظوظ؟
تبرع المغاربة لسنوات بدمائهم بدافع الخير ، لكن مع مرور الوقت ، بدأت الشكوك تتزايد حول مصير هذا الدم…
– كيف يتحول التبرع المجاني إلى تجارة مربحة؟
– لماذا لا يكون الدم بالمجان للجميع كما كان التبرع بالمجان؟
– أين تذهب المخزونات التي يُجمع بعضها في حملات ماراثونية ثم يُعلن عن نقص حاد في الدم بعد أسابيع؟!
في خضم هذا الغضب الشعبي ، ظهر فيديو على وسائل التواصل الإجتماعي يوضح المأساة بشكل صادم ، صاحب الفيديو وهو مواطن بسيط ، قرر أن يبيع دمه بدل التبرع به ، بعدما رأى كيف يتم ٱستغلال دم الفقراء لصالح الأغنياء.
بكلمات قاسية وواقعية ، فضح الرجل ما يسمى بـ«التيّنييس بدم الفقراء» ، متسائلًا:
– لماذا يُطلب منا أن نتبرع ، وعندما نحتاج ، يبيعون لنا دمنا؟
الفيديو ٱنتشر كالنار في الهشيم ، لأنه عبّر عن إحساس مشترك لدى شريحة واسعة من المغاربة الذين لم يعودوا يقبلون أن يُعاملوا كمورد مجاني لهذه التجارة المقنّعة…
مع ٱرتفاع تكاليف المعيشة وتوالي الأزمات ، لم يعد المواطن المغربي يثق في الخطابات الرسمية التي تدعوه للعطاء دون مقابل ، بينما المؤسسات الصحية تتعامل معه بمنطق (ٱدفع أو مت بصمت!).
لقد فطن الناس إلى أن السياسة الصحية ليست سوى مرآة لواقع أشمل ، حيث الأولوية ليست للإنسان ، بل للربح…
وأصبح السؤال الذي يطرحه الجميع:
– لماذا علينا أن نعطي بالمجان بينما نُجبر على الشراء؟
كلما طُرحت هذه الأسئلة ، جاءت التبريرات السريعة: «كلفة التخزين مرتفعة» ، «الإجراءات الصحية ضرورية» ، «التنظيم يتطلب إمكانيات»… لكن الواقع أن الأزمة الحقيقية هي أزمة ثقة بين المواطن والدولة ، حيث لم يعد الشعب مستعدا ليكون موردا بشريا يُستغل في الأزمات ، ثم يُترك ليواجه مصيره عند الحاجة.
ما لم يكن هناك تغيير جذري في تدبير قطاع الصحة ، وما لم يكن الدم متاحًا بالمجان لمن يحتاجه ، ستستمر هذه الدوامة من الإستغلال واللامساواة.
ربما على الدولة أن تتذكر أن المواطن ليس فقط مصدرا للضرائب والتبرعات.. بل هو إنسان له حقوق قبل أن تكون عليه واجبات.