حكمة أمة لا تهزمها مباراة

0 469

 

بيان مراكش/ الصديق أيت يدار

بعد أن هدأت العواطف وسكنت النفوس، ارتفع صوت العقل بكل قسوته وحكمته بالدواخل، بعدما أدرك الناس حجم الخطط والمخططات اللا رياضية التي حاول الخصوم تصريفها لإفساد العرس الإفريقي، فاقتنعوا أن عدم فوز المغرب بكأس الأمم الإفريقية كان “خيرا”.
بعيدا عن حرارة المدرجات وضجيج التواصل الاجتماعي، وجد المغاربة متسعا من الوقت للنظر في كل ما جرى، وفي كل ما كان مدبرا بعيون أكثر هدوء وموضوعية، فتبين ما كان يكنه الأعداء في قلوبهم المريضة، وبالمقابل تكشف لهم حجم الجهد واليقظة والتضحية، الذي انخرط فيه الجميع، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك لتكون نسخة كأس إفريقيا أكثر نجاحا من سابقاتها، وبالتالي تحولت كل العواطف المشحونة إلى طاقة إيجابية ومفخرة وطنية وهم يشاهدون بأم أعينهم، بعد أن هدأ النقع، أن الأمة بكافة مكوناتها، ملكا وشعبا ووطنا، اجتازت الامتحان بتفوق أبهر العالم وأدهش الخصوم وصدم الأعداء.
ومن هذا المنطق، فالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي عقب اختتام كأس إفريقيا للأمم 2025، اختزل حكمة قيادة ورقي شعب وعراقة أمة، فهو لم يكن مجرد رسالة شكر بعد حدث رياضي ناجح، بل جاء كنص سياسي يحمل رسائل متعددة الأبعاد.
ومن خلال إلقاء نظرة على صياغة البلاغ، يتجلى بكل الوضوح الانتقاء العالي الدقة لمفرداته، وذلك من خلال حرصه على توسيع معنى النجاح، إذ لم ينسبه فقط إلى لجان التنظيم أو المؤسسات، بل إلى كافة مكونات الأمة المغربية، وبذلك يؤسس هذا الاختيار لفكرة محورية مفادها أن ما تحقق في هذه الدورة لم يكن إنجازا تقنيا معزولا، بل ثمرة تعبئة جماعية شملت المواطن، المدينة، البنيات التحتية، والصورة العامة لبلد ينطلق نحو المستقبل من عمقه الإفريقي.
ومن أجل هذا الحلم الكبير، لا يمكن لمباراة في كرة القدم، مهما كانت الأحداث التي رافقتها، أن تنسف علاقات أخوية وإنسانية وتاريخية ضاربة في القدم، لأن في الرياضة، كثيرا ما تتحول المنافسة، بما تحمله من شغف وحساسية جماهيرية، إلى ساحة توتر بين الشعوب، خصوصا حين تتقاطع المنافسة مع لحظات انفعال أو قرارات تحكيمية مثيرة للجدل.
وبالتالي فهذا، لا يمكنه أن يؤثر على السياسات بين الدول، وهنا فالعلاقات بين المغرب والسنغال تظهر نموذجا مختلفا، فلما عكرت الرياضة صفو المزاج العام مؤقتا، تدخل صوت العقل من خلال السياسة والدبلوماسية لإعادة الأمور إلى نصابها، من خلال تنظيم الدورة 15 للجنة المشتركة بين البلدين، والتأكيد على استراتيجية العلاقة بين الرباط ودكار.
العلاقة بين المغرب والسنغال ليست وليدة مباراة كرة قدم، بل هي شراكة تاريخية متجذرة، قوامها التعاون السياسي والاقتصادي والروحي، وقد نجحت الدبلوماسية في البلدين مرارا في احتواء أي توتر عابر، عبر التأكيد على المصالح المشتركة واحترام الروابط الأخوية بين الشعبين.
السياسة هنا لا تلغي الرياضة ولا تقلل من قيمتها، لكنها تضعها في حجمها الطبيعي، أي منافسة شريفة تنتهي مع صافرة الحكم، بينما تبقى العلاقات الاستراتيجية أطول نفسا وأعمق أثرا، ومن هذا المنظور، يصبح الخلاف الرياضي فرصة للتأكيد على النضج السياسي، وعلى أن الحوار والتواصل كفيلان بتجاوز الانفعال.
إن مخرجات اجتماع اللجنة المشتركة التي انعقدت بالرباط الأسبوع الماضي، وما ترتب عنها من قرارات هامة، تذكر العدو قبل الصديق، بأن الحكمة السياسية لبلدين شقيقين قادرة على رأب الصدع حين تعجز العواطف، وأن الشعوب التي تبني علاقاتها على الثقة والمصالح المتبادلة لا تهزمها مباراة، مهما كانت نتيجتها، وهذا ما أكد عليه بلاغ الديوان الملكي، حيث بعث من خلاله الملك محمد السادس رسالة للعالم تنطوي على حكمة بليغة، مشددا على أن التجذر الإفريقي للمملكة المغربية ينبع من خيار استراتيجي إنساني وحضاري عميق، تم الالتزام به عبر الزمن بوفاء وثبات واتساق.
وبالتالي، فالرسالة واضحة ولا تحتاج إلى أي شرح أو تفسير أو تأويل، ويجب أن يتيقن الحاقدون أن محاولات التشهير والتقليل من شأن المغرب أو النيل من علاقته بإفريقيا محكوم عليها بالفشل، لأنها تصطدم بقوة الوقائع، وعمق الشراكات، ومتانة الروابط التي تجمع المملكة بشعوب القارة، روابط صاغها التاريخ ورسختها الممارسة العملية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.