انتقال صلاحيات تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل إلى الشركة الجهوية المتعددة الخدمات مراكش–آسفي: بين توحيد الحكامة وارتباك البدايات
بيان مراكش – هيئة التحرير
شهدت جهة مراكش–آسفي، ابتداءً من شهر نونبر 2024، انتقالاً جذرياً في تدبير واحد من أهم القطاعات الحيوية: الماء، الكهرباء، والتطهير السائل. فبعد عقود كانت فيها المجالس الجماعية مسؤولة بشكل مباشر عن هذه الخدمات، دخلت الجهة مرحلة جديدة مع انطلاق عمل الشركة الجهوية المتعددة الخدمات مراكش–آسفي التي أصبحت الجهة الوحيدة المكلفة بتدبير هذه القطاعات على مستوى الجهة.
تاريخياً، كان تدبير هذه الخدمات موزعاً بين عدة مؤسسات، أبرزها:
الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بمراكش (RADEEMA)،
المكتب الوطني للكهرباء (ONE)،
المكتب الوطني للماء الصالح للشرب (ONEP)،
إلى جانب تدخلات المجالس الجماعية في التتبع والمراقبة.
ومع بدء العمل بالنموذج الجديد، تم سحب هذه الاختصاصات من مختلف الجماعات الترابية، لتصبح الشركة الجهوية الفاعل الوحيد المسؤول قانونياً وتقنياً ومالياً عن قطاع الماء والكهرباء والتطهير السائل. هذا التحول ألغى نهائياً دور المجالس الجماعية في هذه القطاعات، سواء في التدبير أو الإشراف أو التتبع، وهو ما يشكل نقطة فاصلة في بنية الحكامة المحلية.
بالرغم من أن خطوة التوحيد تأتي في إطار إصلاح وطني يهدف إلى:
تحسين جودة الخدمات،
الحد من تشتت المتدخلين،
ضمان شمولية التدبير على المستوى الجهوي،
إلا أن الواقع الميداني خلال الأسابيع الأولى كشف عن ارتباك واضح في تدبير القطاع.
فقد وجدت الشركة الجهوية نفسها مطالبة بتجميع صلاحيات كانت موزعة بين مؤسسات متعددة، مع تحمل مسؤوليات البنية التحتية والموارد البشرية والملفات التقنية. هذا الأمر خلق تأخراً في بعض الخدمات الأساسية، وأربك علاقة المواطنين بالمؤسسات، خاصة في ظل غياب تصور واضح لمرحلة الانتقال.
من أبرز مظاهر الارتباك ما يعيشه اليوم المواطن في مراكش ونواحيها عند رغبته في إدخال الكهرباء إلى منزله. فـ “شهادة الربط” التي كانت تمنحها الجهات السابقة بشكل عادي، أصبحت الآن شبه مستحيلة المنال، بعد تحويل جميع الاختصاصات إلى الشركة الجهوية.
المفارقة أن العديد من المواطنين الذين تتوفر منازلهم على جميع شروط السكن القانونية، وجدوا أنفسهم محرومين من الكهرباء في انتظار معرفة الجهة التي ستمنح شهادة الربط الجديدة.
وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه:
من هي الجهة الرسمية التي ستصدر شهادة الربط في ظل غياب توضيحات من الشركة الجهوية؟
هذا السؤال مطروح اليوم على المختصين وعلى المسؤولين المعنيين، خصوصاً أن الشركة أُنشئت أساساً لتحسين الخدمة وتقريبها من المواطن، فإذا بالواقع الميداني يكشف عن نتائج عكسية، أهمها حرمان المواطن المراكشي من حق أساسي هو الكهرباء.
ومع هذا التحول البنيوي، أصبح من الضروري التأكيد على ما يلي:
الجماعات المحلية لم تعد بأي شكل من الأشكال مسؤولة عن قطاع الماء والكهرباء والتطهير السائل.
لا صلاحية لها في التدخل أو التتبع أو تقديم شروحات للساكنة.
جميع الملفات والشكايات والطلبات يجب أن تتجه حصرياً إلى الشركة الجهوية المتعددة الخدمات.
من أجل تجاوز هذه الإشكالات، أصبح ضرورياً:
اعتماد تواصل مؤسساتي واضح ومباشر مع المواطنين،
تسريع عملية نقل الملفات والموارد البشرية،
وضع بوابات رقمية ومراكز استقبال تقدم أجوبة فورية،
تقديم تطمينات حول استمرار جودة الخدمة، خصوصاً في ما يتعلق بالكهرباء وشهادة الربط.
فالانتقال إلى نموذج جهوي موحد يفتح الباب أمام حكامة أفضل على المدى المتوسط، لكنه لن ينجح دون مواكبة دقيقة، وضمان عدم ترك المواطن في مواجهة الفراغ الإداري خلال هذه المرحلة الحساسة.