العباسية

0 848

نسيمة خيالي /بيان مراكش


من العادات المغربية الجميلة الرائعة، والتي اتسمت بالتضامن الافقي والتي لم يعد لها ذكر، أو يكاد، ولم يعد يعرفها أحد، خصوصا من أطفالنا وشبابنا، وحتى بعض كهولنا عادة: العباسية.

والعباسية حسب ما تقول الرواية الشعبية الشفوية، وهي المرجع الوحيد الذي اعتمدته في هذه الحكاية التي تقول: عندما كان العالم الجليل الفقيه الولي الصالح سيدي بلعباس السبتي يشتغل بالحسبة في مدينة مراكش لاحظ تفشي ظاهرة تكاثر المتسولين، والمتسكعين من المحتاجين، وحتى من غير المحتاجين، فأصدر أمره لكافة المشتغلين بتحضير المواد الاستهلاكية الغذائية بأن يجعلوا أول إنتاجاتهم -باكورة الانتاج- هبة تضامنية مع هاته الفئات المحتاجة.

وقال لهم في اقتراح يشبه الأمر: لو وهب الخباز بالطرحة الأولى، والسفاج بالقلية الأولى، والحسَّاء بالطنجرة الأولى، وكل من يشتغل بالمواد الاستهلاكية الأولية، لو وهب تدفعتها الأولى لخفت حدة التسول . فلماذا لا نجرب تطبيق هذه العملية؟

ومنذ أن بدأ الناس يطبقون هذا الأمر الذي جاء على شكل اقتراح خفت وطأة التسكع، والتسول، وشعَّ في المدينة نوع من التعاضد والتكافل والتآزر، وسادت فضيلة التعاون بين الناس، وتحقق نوع من التشارك والتكافل، وتقبل الناس هذه المبادرة بالتأييد العملي، والمساهمة الفعلية من أكبر كبير، إلى أصغر صغير.

حتى أن بائعات الخبز، وهن فقيرات، لا يكاد رأسمال الواحدة منهن يتجاوز العشرين خبزة، فقد كانت كل واحدة منهن تتصدق بخبزة، « خبزة سيدي بالعباس » ولا تشرع في البيع إلا بعد أن تشق الخبزة على أربعة وتقول: هذه خبزة “العباسية”.

وامتدت هذه العادة حتى شملت العديد من مرافق الحياة وصار كل من يجهز أي بضاعة للبيع، يتصدق بباكورة إنتاجه، وأصبح لابد لكل شيء من: العباسية

وانتقلت هذه السنة من المدن إلى البادية. فلدى جمع الحصيدة كانت تبتدئ بأمداد سيدي بلعباس، فلا بيع ولا شراء، ولا توزع بين المالك و”الرباع” أو “الخماس” إلا بعد سحب: “حق سيدي بلعباس” العباسية وقد استعملت هذه العبارة، “العباسية” في بعض الأحيان حتى كإضافة، علاوة زيادة أو كما يقول العامة في الدارجة المغربية: “وفاية”.

فقد يحدث أن يشتري الواحد منا خمسة قطع من بضاعة ما، فيعطيه التاجر البائع السادسة قائلا: وهذي القطعة السادسة عباسية، أي زيادة “وفاية” وقد يطالب بها المشتري على هذا النحو: هذي بضاعة اشريتها بدراهمي، فأين العباسية؟

وتعممت حسنة العباسية وانتشرت، حتى شملت أشياء كثيرة، وكثيرة جدا. وشاعت حتى وصلت للمداشر والقرى المغربية وأصبحت القاعدة المثلى، وأصبح التخلي عنها أو نسيانها هو الاستثناء، وحتى حفلات الأعراس، أو المناسبات المشابهة، كانت تسبقها ولائم تقام لإطعام الفقراء، ومنهم من كان يسميها: الصدقة، ومنهم من كان يقول عنها: إنها حفلة سيدي بالعباس “العباسية”.

وبرغم النسيان والتجاوز والتطور الذي أتي على بعض العادات المغربية وأدخلها في خانة: كان في قديم الزمان، مازلت تجد في بعض الأحياء الشعبية بالمدن المغربية العتيقة، من إذا اشتريت منه أعطاك العباسية وإذا بعت له شيئا طالبك بها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.