الذكرى 69 للأمن الوطني المغربي: بين بهرج الإستعراض وٱنكسار الإنسان.

0 3٬384

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

لم تمضِ سوى أيام معدودات على تخليد الذكرى «التاسعة والستين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني» ، ذلك الحدث الذي حشدت له الدولة كل أدوات البهرجة والإحتفاء ، من ٱستعراضات مبهرة وزيّ نظامي مشذّب بعناية ، مرورا بعروض تقنية حديثة تبهر العيون وتُسكر العقول ، إلى بلاغات رسمية تتغنّى بما تحقق من نجاحات ومكتسبات لكن ، في خضم هذا المشهد المصقول ، خرجت صورة معاكسة تماما ، لا من خلف الكواليس ، بل من صميم الواقع ، لتفضح المستور وتكشف عن الحقيقة المؤلمة:
«شرطي مغربي بزيّه الرسمي ، يرمي جهازه المهني ويعبر إلى مدينة سبتة المحتلة في واضحة النهار ، لا فارا من العدالة ، بل هاربا من واقع ٱختناق لم يعد يُحتمل!»

إنها ليست حادثة عادية ، بل صرخة مدوية ، موجهة إلى ضمائر من تعودوا على تجميل الواجهة وتلميع الجدران المتآكلة من الداخل.
حادثة تعيد طرح السؤال الجوهري:
– ماذا عن الإنسان الذي يرتدي ذلك الزي؟
– ماذا عن العنصر البشري الذي أصبح يئنّ تحت وطأة ضغط نفسي ، وتهميش مؤسسي ، وجحود إداري؟
– وهل يجوز لنا أن نحتفل بجهاز ، ونتغافل عمّن يحمل عبء ذلك الجهاز فوق كتفيه دون سند أو إنصاف؟

لقد كتب هذا «الشرطي» بصمته وعبوره العلني ، رسالة ٱحتجاج أقوى من كل العرائض والنقابات والبلاغات.
لم يُخف وجهه ، لم يرتدِ لباسا مدنيًا ، لم يسلك مسلكا سريا… بل مرّ علنا ، كمن أراد أن يقول:
«أنا صورة مصغّرة عن كثيرين مثلي ، لكنهم صامتون ، مقهورون ، وربما في الطريق ذاته!!».

وإننا إذ نُمعن النظر في هذا المشهد ، لا بد أن نتساءل بمرارة:
– كم من شرطي اليوم يؤدي مهامه كآلة ، فاقدا لأي شعور بالكرامة أو الإنتماء؟
– كم من عنصر أمني يقضي ليله في الحراسة ، ونهاره في التفكير في الهروب أو الإنتحار؟
– كم من رجل أمن أصبح مجرد رقم في لائحة الخدمة ، لا يُسأل عن معاناته ، ولا يُستمع إلى أنينه؟

” المزوق من برا.. آش خبارك من الداخل ”
مثل مغربي بسيط بلغة الشعب ، لكنه يختزل المأساة…
فبينما تنشغل الجهات الرسمية بتلميع صورة الأمن في المحافل الوطنية والدولية ، يغيب تماما أي نقاش جاد حول إصلاح حقيقي لجهاز يعيش أفراده في دوّامة من التهميش ، والضغط النفسي ، والتعويضات الهزيلة ، ومسارات الترقية المغلقة ، وغياب آليات التظلم والإنصاف!!!

نحن لسنا في حاجة إلى مزيد من المهرجانات الأمنية ، بل إلى لحظة صدق مع الذات ، لحظة نعيد فيها النظر في مفهوم الأمن ، لا كقوة مادية ، بل كمنظومة ٱجتماعية متكاملة ، تبدأ بالٱستثمار في الإنسان ، وضمان كرامته ، وتوفير أبسط حقوقه المهنية والإنسانية.

إن حادثة عبور «الشرطي» إلى سبتة ليست سوى القطرة التي أفاضت الكأس ، والقادم بكل وضوح ، سيكون أشد وأقسى ، إذا ٱستمرّت المؤسسات في دفن رؤوسها في الرمال ، وإيهام نفسها أن الولاء يُشترى ، وأن الإنضباط يُنتزع بالقوة ، لا يُبنى على العدل والإنصاف.

لقد حان الوقت لفتح ملف (الأمن من الداخل) بكل جرأة وصدق ، لأن كرامة رجل الأمن هي من كرامة الدولة ، وٱنكساره هو أول شرارة لٱنهيار الثقة في المؤسسات.

بصراحة ، رجل الأمن لا يحتاج تصفيقا في الإستعراضات… بل إنصافا في صمت الليل حين يعود منهكا ، ويبحث عن معنى وجوده تحت هذا الزي.
فكرامة رجل الأمن هي أولى خطوط الدفاع عن أمن الدولة ، ومن يخذله.. يخذل الوطن كله.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.