تميزت فعاليات الدورة التاسعة لمعرض الفرس بالجديدة، اليوم الجمعة، بتنظيم ندوة فكرية رصد من خلالها مجموعة من الجامعيين والاكاديميين المغاربة جوانب من تاريخ الفروسية التقليدية، باعتبارها تراثا حضاريا اصيلا، من خلال مجموعة من المؤلفات الاجنية والمغربية التي تطرقت لموضوع الفرس.
واعتبر السيد أحمد إشرخان، أستاذ التعليم العالي، ومنسق مسلك التاريخ والحضارة بالكلية متعددة التخصصات بتازة، في مداخلته أنه من الملاحظات التي تثير انتباه الباحث عند قراءته لمجموعة من المؤلفات الأجنبية، وفي مقدمتها الكتب التي دونها الرحالة الوافدون على المغرب خلال العصرين الحديث والمعاصر، تلكم الفقرات المفصلة أحيانا والمقتضبة أحيانا أخرى حول الفروسية التقليدية المغربية (التبوريدة) وما يرتبط بها من فنون في مختلف المجالات.
ولاحظ أن المؤلفين الأجانب انبرهروا من الطريقة التي يمارس بها المغاربة الفروسية، و اعتبروها من الخصوصيات التي انفردوا بها عن بقية شعوب حوض البحر الابيض المتوسط، مبرزا أن كتاباتهم جاءت مليئة بالمعلومات الدقيقة التي عادة ما ينتبه اليها المؤلفون المحليون، باعتبارها من البديهيات والمسلمات المألوفة في هذا المجال التي اعتاد المغاربة على مشاهدتها.
واستطرد قائلا إن الزائر الأجنبي “يقف وقفة المتطلع المنبهر أمام زخم الصور، ونوع الشعارات والعبارات التي تزخر بها ساحة الفروسية المغربية، فتثيره طريقة العدو في الميدان وصيحات الفرسان ولباس الفارس وعدة الفرس وأنواع البنادق، وينوه في الختام بقوة الفرس وانسجامه في حفلة صهيل الخيل ورائحة البارود”.
وكشف الاكاديمي المغربي أن هذه الملاحظات والأوصاف المتعلقة بالفروسية وما يرتبط بها من صناعات تقليدية ومراسم دينية ومظاهر احتفالية شعبية، يوجد صداها في كتب الأجانب من أمثال “رحلة إلى مكناس” للكاتب الانجليزي جون وندوس، الذي تناول في مؤلفه تفاصيل مفيدة ومثيرة عن الخيول بالمغرب أثناء زيارته للمغرب سنة 1721، وأيضا عند الطبيب الانجليزي جورج لمبريير، صاحب مؤلف “رحلة في امبراطورية المغرب ومملكة فاس”، مشيرا الى أن هناك تفاصيل من وصف مظاهر الفروسية لدى بعض القبائل بشمال المغرب نقل تفاصيلها الباحث الاثنوغرافي الفرنسي أوجوست مولييراس، و عند المؤرخ باتيست ايستل في مذكراته التي كتبها سنة 1693.
من جانبه، قدم الأكاديمي عبد القادر سعود، المتخصص في الأدب المغربي، ورقة تقديمية لكتاب “دليل الفارس النجيب والكاتب الأريب لاقتناء خيل السبق والتقريب ” لمؤلفه الشيخ محمد بن محمد بن عبد السلام بن الحسن بناني (المتوفي سنة 1389 ه – 1969 ) ، وهو كتاب أدرج ضمن المخطوطات التي تعمل جمعية معرض الفرس بالجديدة على طبعها ونشرها.
وأفاد السيد سعود بأن هذا الكتاب على الرغم من قرب الفترة التي ألف فيها من زمننا الحالي فهو يجمع بين المصدرية والمرجعية، أي أنه مرجع في ما ذكر به من المعلومات المتعلقة بالفرس، والتي اعتمد المؤلف في الكلام عليها على مجموعة من المصادر العربية التي سبقه مؤلفوها إلى تناولها، مضيفا أن الجانب المصدري يتعلق بالملك محمد الخامس طيب الله ثراه وحبه الكبير للفروسية واقتناء الخيل الأصيلة، ثم ولع ولي عهده آنذاك الملك الحسن الثاني تغمده الله برحمته، الكبير بركوب الخيل وصيانتها.
وأوضح أن المؤلف جعل كتابه في فن الفروسية دليلا للفارس وللكاتب معا، الذي يعني به الباحث، موضحا أن الفارس قد يجد فيه مبتغاه لتضمنه معلومات تتعلق بفن الفروسية، في حين يطلبه الكاتب لمعرفة ما يحتاجه من أوصاف عن الخيل والتعبير عن جيدها ورديئها وعتيقها وهجينها.
بدوره، قدم محمد سعيد حنشي، الباحث في التاريخ المغربي، قراءة في كتاب “تأليف في الخيل وما يتعلق بها من أوصاف” لمؤلف عبد الوهاب بن محمد العابد بن الطاهر بن عبد السلام القادري (المتوفى سنة 1228 هـ)، مبرزا أن هذا الأخير جمع في منتوجه ما تفرق في غيره من مصادر فن الفروسية حول فضل الخيل وتربيتها والعناية بها، وما تعلق بالممدوح من طباعها وحواسها وأعضائها وألوانها، مذكرا في هذا السياق بخيل النبي صلى الله عليه وسلم واسمائها واسماء المشهور من خيل الصحافة رضي الله عنهم.
تجدر الاشارة الى ان اللجنة العلمية لجمعية معرض الفرس التي يترأسها المفكر والمؤرخ أحمد شوقي بنبين تعمل سنويا على ادراج تحقيق الكتب والوثائق المخطوطة المتعلقة بالخيل والفروسية في التراث العربي ضمن أنشطتها الثقافية.