إن الرشوة… مناعة متزايدة

0 804

 

(القهيوة ؛ الكاميلة ؛ الحلاوة ؛ فيفتي فيفتي ؛ غانتهلا فيك ؛ مايكون غيل خاطرك ؛ دهن السير إسير … ؟؟؟ ) هي مصطلحات مغربية لاتكاد تنتهي عن مفهوم معظلة الرشوة والفساد

بيان مراكش/ الصديق أيت يدار

يتواجد جزء مهم من الفساد ؛ والرشوة في جميع أنحاء العالم، لكن بدرجات مختلفة من دولة إلى أخرى، وفقا للتطبيق الصارم للقانون، من عدمه.
المغرب، واحد من البلدان، التي ينتعش فيها الفساد، بشكل مقلق، وهو ما عبر عنه بشكل صريح وواضح رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، البشير الراشدي، لما كشف، بداية الأسبوع الجاري، أن الفساد يكلف المغرب ما يناهز 50 مليار درهم سنويا.
قبل الحديث عن التطبيق الصارم للقانون، يجب الإشارة إلى أن الترسانة القانونية المتواجدة غير كافية لمحاصرة ظاهرة الفساد، والرشوة التي أخذت تتسع يوما بعد يوم، على حساب الفراغات القانونية الحاصلة من جهة، ومن جهة أخرى، مستفيدة من الثغرات الموجودة في القوانين قيد التطبيق، والمثال على ذلك، قانون التصريح بالممتلكات، الذي يتعرض إلى تحايل صارخ، دون تتبع أو محاسبة.
إذا كان الفساد متوغلا ويطرح تحديات كبيرة للدولة في التصدي له، فهذا لا يعني أنه خارج عن السيطرة، فهو فقط ينتعش ويتضخم لوجود فراغ قانوني وبيئة تساعد على ذلك، إضافة إلى غياب التطبيق الصارم للقوانين في حال وجودها.
ولملء هذا الفراغ، أو القطع مع التحايل، لا بد من تفعيل قانون “من أين لك هذا ؟”، كما تكلم عن ذلك الراشدي، و الذي أكد على أن قانون تجريم “الإثراء المشروع”، هو المدخل الوحيد لتقليص الفساد.
لم يكتب لقانون تجريم “الإثراء المشروع”، أن يرى الوجود، فبعد أن قطع أشواطا مهمة في عهد الحكومة السابقة، جاءت الحكومة الحالية، لتسحبه من البرلمان بمبرر عرضه على النقاش من جديد، لكن لا شيء من ذلك حدث، فكانت الخطوة بمثابة إشارة سيئة من الحكومة، حيث تم فهمها على أنها تطبيع مع الفساد، فكانت النتائج وخيمة، وهو ما انعكس على ترتيب المغرب ضمن لائحة الدول التي شملها هذا المؤشر؛ حيث انتقل من الرتبة 73 ضمن 180 دولة سنة 2018، ليصل إلى الرتبة 97 ضمن 180 دولة سنة 2023، متراجعا بـ 24 رتبة خلال السنوات الخمس الأخيرة.
إشارة ثانية جاءت من الحكومة، وهي عدم عملها على سد ثغرات في نظام التصريح بالممتلكات، وهي ثغرات بالجملة تم استغلالها من خلال تهرب عدد كبير من المسؤولين والمنتخبين الملزمين بالتصريح بممتلكاتهم، ورغم أن المغرب اعتمد قانون التصريح الإجباري بالممتلكات منذ سنة 2010، لكن هذا القانون تشوبه نقائص تجعل مهمة تتبع ثروات الملزمين بالتصاريح غير ذات جدوى، أمام استغلال المعنيين لهذه الثغرات والنقائص في التحايل على القانون، بتسجيل ممتلكاتهم في أسماء زوجاتهم وأبنائهم، وأقاربهم في حين يتملص البعض الآخر من التصريح بالممتلكات، أمام الصعوبات التي تواجه المجلس الأعلى للحسابات في دراسة كل الملفات المعروضة عليه. وبذلك أصبحت الضرورة تفرض تعديل القوانين المؤطرة لنظام التصريح بالممتلكات، لأن تحديد مصادر ثراء الوزراء والبرلمانيين والمنتخبين وكبار المسؤولين، أحد أعمدة الحكامة الجيدة والشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد.
وإذا كان الفساد يكلف المغرب 50 مليار سنويا، وهو غلاف مالي يكفي لبناء 10 ملاعب كرة قدم من حجم ملعب بن سليمان الكبير، أو بناء ما يفوق 1400 كيلو متر من الطرق السيارة، أو بناء 4 موانئ من حجم ميناء طنجة- المتوسط، فإن كلفته الاجتماعية والنفسية أكبر بكثير من ذلك، وتداعياتها وخيمة.
للفساد انعكاسات كثيرة، لكن أكثرها دمارا، سوء استخدام السلطة وانعدام الثقة وتفشي المحسوبية والزبونية والامتيازات غير المستحقة ، ناهيك عن حده من القدرة على الإنتاج وخرقه لمبدأ الاستحقاق.
ولا تتوقف تداعيات الفساد عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك إلى قتل المبادرة الفردية وإشاعة أجواء الإحباط والحد من الطاقات وتدمير أسس التماسك والاستقرار الاجتماعيين، وتوسيع دائرة اقتصاد الريع ، وتقويض الاستثمار، وإعاقة النمو الذي يقوده القطاع الخاص، وتركيز الاقتصاد وتقويض قدرات التحصيل المتكافئ للضرائب، ومن هنا فالفساد يرتقي إلى جريمة مكتملة الأركان، بطلها مسؤول فاسد ومواطن متواطئ، وضحيتها، وطن بريْ.
من هذا المنطلق، تتشدد الدول، التي تتواجد في المراتب المتقدمة، في مؤشر إدراك الفساد، في تعاطيها مع الظاهرة، فهي لا تتسامح مع أي كان، سواء كان سياسيا، أو برلمانيا، أو رئيس جماعة، أو منتخبا، أو غير ذلك، فيكفي أن تتحقق أركان الجريمة، فتسارع إلى تفعيل كل ترساناتها القانونية والأخلاقية والاجتماعية لمواجهة عدو تعتبره “أكثر فتكا” من أسلحة الدمار الشامل، فهي دائمة الحيطة والحذر من خلال إضفاء الطابع المؤسساتي على تنسيق البرامج، ووضع إطارات مؤسساتية للتعاون والتنسيق بين مختلف المؤسسات والمتدخلين الآخرين.
الفساد واحد، والكفر ملة واحدة سواء في المغرب أو السويد أو اليمن أو بوتسوانا أو الأرجنتين، ومواجهته معركة واحدة في أي مكان في العالم ؛ سلاحها الوحيد التطبيق الصارم للقانون ولا شيء غير القانون…

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.