أثار إعلان وزارة الداخلية عن شطب ما يقارب 1.4 مليون ناخب من اللوائح الانتخابية العامة موجة واسعة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والحقوقية، بعدما كشف عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن العدد المؤقت للمسجلين استقر في حدود 16.5 مليون ناخب فقط، عقب عملية تنقيح وُصفت بالدقيقة.
الأرقام الجديدة، التي تمثل واحدة من أكبر عمليات المراجعة في تاريخ اللوائح الانتخابية، وضعت المشهد السياسي أمام واقع غير مسبوق، خاصة في أفق التحضير للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، حيث لم يعد السؤال فقط هو من سُجِّل، بل من تم شطبه، ولماذا؟
وأوضح الوزير أن هذه العملية تندرج في إطار المراجعة السنوية للوائح، وتهدف إلى ملاءمتها مع الوضع القانوني والفعلي للناخبين، مؤكداً أن التشطيب شمل حالات محددة، من بينها فقدان شرط الإقامة الفعلية داخل الجماعة أو المقاطعة، والوفيات، وتكرار القيد، إضافة إلى فقدان الأهلية الانتخابية بموجب أحكام قضائية.
غير أن رقم 1.4 مليون مشطوب، مقابل هيئة ناخبة تضم 16.5 مليون مسجل، موزعين بنسبة 54 في المئة من الذكور و46 في المئة من الإناث، أعاد إلى الواجهة إشكالية الاستقرار السكني في المغرب، في ظل حركية عمرانية واجتماعية متسارعة، لا سيما داخل المدن الكبرى والمجالات شبه الحضرية.
وفي مقابل هذا النزيف الانتخابي، سجلت وزارة الداخلية دخول 382 ألفاً و170 ناخباً جديداً إلى اللوائح، أغلبهم عبر المنصة الرقمية المخصصة لذلك، إذ تم تسجيل 254 ألفاً و740 ناخباً إلكترونياً، مقابل 127 ألفاً و430 طلباً كتابياً. ورغم دلالة هذا المعطى على تصاعد الاعتماد على الرقمنة، فإنه يظل بعيداً عن تعويض الخسارة الكبيرة التي أحدثتها عمليات التشطيب.
ويطرح الاعتماد الواسع على شرط الإقامة في الشطب إشكاليات قانونية وحقوقية دقيقة، خاصة أن جزءاً مهماً من التنقلات السكنية التي يعرفها المواطنون يرتبط بسياسات عمومية، من قبيل برامج إعادة الإسكان، والقضاء على دور الصفيح، وإعادة هيكلة الأحياء، أو التوسع العمراني. وهي تحولات لا يكون المواطن دائماً طرفاً في تحديدها، لكنه يتحمل تبعاتها في حقه في التصويت.
ومن منظور دستوري، يظل الحق في المشاركة السياسية من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بجوهرها عبر إجراءات تنظيمية، مهما كانت مشروعيتها. كما أن مبدأ التناسب في القانون الإداري يقتضي ألا تؤدي مساطر الضبط والتحديث إلى إقصاء غير مباشر لفئات من الناخبين بسبب أوضاع سكنية هشة أو متغيرة.
وفي هذا السياق، أشاد وزير الداخلية بتنامي استخدام الوسائط الرقمية في التسجيل، معتبراً أن المنصة الإلكترونية أصبحت أداة مركزية في تحديث اللوائح. غير أن عدداً من المتتبعين يحذرون من أن المعالجة المعلوماتية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل التحقق الميداني وضمان حق المواطن في التعليل والطعن، خصوصاً في حالات الشطب.
فالرقمنة، وإن كانت مدخلاً أساسياً لعصرنة الإدارة، قد تتحول، في غياب الضمانات القانونية الكافية، إلى أداة إقصاء صامت، تطال على الخصوص الفئات الهشة أو ضعيفة الولوج إلى الخدمات الرقمية.
وتؤكد وزارة الداخلية أن هذه العملية تدخل ضمن الاستعدادات اللوجستيكية والسياسية لانتخابات 2026، مشيرة إلى أن مراجعة استثنائية للوائح ستُجرى لاحقاً بقرار وزاري، في إطار التشاور مع الأحزاب السياسية.
وبين ضرورات تنقية اللوائح لضمان النزاهة، وواجب صون الحق الدستوري في التصويت، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف نضمن لوائح مضبوطة دون أن يتحول التنقيح إلى تقليص صامت للهيئة الناخبة؟ سؤال سيكون في قلب النقاش السياسي والقانوني خلال الأشهر المقبلة، مع اقتراب استحقاقات 2026.
قد يعجبك ايضا