وافق شن طبقة.

0 487

 

✍🏻 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ليست كل العبودية قيودا ترى، ولا كل السجون جدرانا تلمس، فثمة عبودية أخطر، تتسلل إلى العقول حتى تروض، وتستوطن النفوس حتى تبرر، فيألفها أصحابها ويستحسنونها، بل ويدافعون عنها، مخافة الخروج من القطيع، أو خشية ثمن العيش بكرامة.

لقد شهد التاريخ ولا يزال… شعوبا وأفرادا رضوا بالهوان، لا لعجزهم عن التمرد، بل لأنهم ٱعتادوا الخضوع، فصار الذل عندهم أأمن من الحرية، والصمت أهون من الصدع بالحق!
وحين تسلب الإرادة، يصبح الظلم واقعا، ويغدو القهر قدرا، وتختزل الحياة في لقمة تؤكل، مهما كان ثمنها الكرامة.
وفي نماذج سلبية كثيرة، نرى مجتمعات تصفق للمستبد، وتبرر الفساد، وتهاجم كل صوت حر بدعوى (الإستقرار) و(العيش).
يشيطن فيها السؤال، ويجرم الإختلاف، وتصور المطالبة بالحق على أنها تهور أو خيانة.
هناك، يوافق شن طبقة.
فيتعايش القمع مع القابلية له، ويتواطأ الظالم مع من ألف ظلمه.
لكن في المقابل، يقدم التاريخ أمثلة مشرقة لشعوب وأفراد رفضوا أن يكونوا أرقاما في القطيع!! أمم دفعت أثمانا باهظة، لكنها ٱختارت الكرامة على السلام الزائف، والحرية على العيش المدجن (من مقاومي الإستعمار، إلى مناضلي الحقوق المدنية، إلى أصوات فردية قالت “لا” حين كان قولها كفيلا بسلبها كل شيء).
لم يكونوا أكثر عددا، لكنهم كانوا أصدق موقفا، وأعلى شأنا.
والفرق بين النموذجين ليس في القوة المادية، بل في الوعي… فالعبد الحقيقي ليس من كبلت يداه، بل من قيد عقله، ورضي أن يعيش منحنيا ما دام يسمح له بالبقاء.
أما الحر، فهو من يدفع ثمن وقفته، لأنه يدرك أن الحياة بلا كرامة مجرد بقاء بلا معنى.

إن أخطر ما يهدد المجتمعات اليوم، ليس القهر وحده، بل التعايش معه، وتطبيعه، وتسويغه… وحين يلتقي الظلم مع الرضا به، يصدق القول:
«وافق شنّ طبقة»، غير أن التاريخ يعلمنا أيضا أن القطيع لا يصنع مستقبلا، وأن صوتا واحدا حرا قد يوقظ أمة بأكملها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.