آسفي تغرق والسياسات الحكومية غائبة: متى التعويض؟
خلّفت الفيضانات المميتة التي ضربت مدينة آسفي خسائر بشرية ومادية فادحة، بعدما حوّلت السيول الجارفة أحياء سكنية إلى مناطق منكوبة، وجرفت منازل ومحلات تجارية، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنيات التحتية، إلى جانب قطع عدد من المحاور الطرقية وتعليق الدراسة بعدة مؤسسات تعليمية، ما أدخل المدينة في حالة شلل شبه كامل.
وأمام حجم المأساة، تعالت أصوات المواطنين المتضررين متسائلة عن مصير تفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، وعن مدى تعامل السلطات مع هذه الفاجعة، في ظل مخاوف من أن تلقى فيضانات آسفي المصير نفسه الذي عرفته كوارث طبيعية سابقة بمناطق أخرى، خاصة بالجنوب الشرقي للمملكة.
اللافت في خضم هذه الأحداث المؤلمة، هو غياب أي تفاعل رسمي من أعلى هرم السلطة التنفيذية، إذ لم يصدر عن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أي بلاغ أو موقف علني للتعزية في الضحايا أو الإعلان عن تدابير استعجالية لمواكبة المتضررين، وهو ما عمّق مشاعر الاحتقان والقلق وسط الساكنة، التي وجدت نفسها تواجه الكارثة في صمت رسمي مثير للتساؤل.
ومن الزاوية القانونية، فإن تفعيل آليات التعويض لا يتم بشكل تلقائي، بل يبقى رهيناً بقرار سياسي صريح. فالقانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، الصادر سنة 2016 والدخل حيز التنفيذ سنة 2020، ينص بوضوح على أن اعتبار أي حادثة “كارثة” يستوجب صدور قرار عن رئيس الحكومة.
ويُلزم القانون رئيس الحكومة بإصدار هذا القرار داخل أجل أقصاه ثلاثة أشهر من تاريخ وقوع الحادثة، مع تحديد طبيعة الكارثة، والمناطق المتضررة، وتاريخها ومدتها، ونشر القرار بالجريدة الرسمية، وهو الإجراء الذي يفتح الباب أمام الشروع في مساطر الإحصاء والتعويض.
ويعرّف القانون الكارثة بأنها حادثة ناتجة عن عامل طبيعي ذي حدة غير عادية، تتسبب في أضرار جسيمة، وتتسم بالمفاجأة أو صعوبة التوقع، وهو توصيف ينطبق، في مجمله، على الفيضانات التي شهدتها مدينة آسفي نتيجة التساقطات المطرية القوية.
كما يحدد القانون 110.14 قائمة الوقائع التي يمكن تصنيفها ككوارث، من بينها الفيضانات بأشكالها المختلفة، كالسيلان السطحي، وفيضان المجاري المائية، وارتفاع منسوب المياه الجوفية، والتدفقات الطينية، وانهيار السدود الناتج عن ظواهر طبيعية، إضافة إلى الزلازل وارتفاع المد البحري، بل وحتى بعض الأفعال غير الطبيعية متى شكلت خطراً جسيماً على العموم.
وبعد صدور قرار التصنيف، يتم تقييد المتضررين في سجل خاص بضحايا الوقائع الكارثية، لتنطلق بعدها مساطر التعويض، التي تقوم على شقين: تأميني يهم الأشخاص المؤمنين، حيث تتكفل شركات التأمين بتعويضهم وفق العقود المبرمة، وشق تضامني موجّه لغير المؤمنين، يتكفل به صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية عبر منح إعانات مالية مباشرة.
ويستفيد من هذا الصندوق الأشخاص الذين تعرضوا لأضرار بدنية، بمن فيهم المشاركون في عمليات الإنقاذ، أو ذوو حقوق الضحايا في حالة الوفاة، إضافة إلى الأسر التي أصبح مسكنها الرئيسي غير صالح للسكن بسبب الكارثة.
ويموَّل الصندوق من اعتمادات مالية سنوية تخصص له بموجب قانون المالية، ومن رسم تضامني بنسبة 1 في المائة مفروض على معظم عقود التأمين، مع تحديد سقف أقصى للتعويضات لا يتجاوز ثلاثة مليارات درهم عن كل كارثة، وتسعة مليارات درهم سنوياً عن مجموع الكوارث.
غير أن متابعين للشأن المحلي يرون أن مدينة آسفي لا تحتاج فقط إلى تفعيل ظرفي لآليات التعويض، بل إلى مقاربة شمولية تعترف بهشاشة بنيتها التحتية، وتضع حداً لتكرار سيناريو الفيضانات مع كل تساقطات مطرية قوية، بل ويذهب بعضهم إلى المطالبة بتصنيفها مدينة منكوبة، بما يفرض برامج استعجالية لإعادة التأهيل والوقاية.
وبين انتظار قرار رسمي لتصنيف ما حدث ككارثة طبيعية، وترقب تفعيل صندوق التضامن وتعويض المتضررين، يظل السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ستتعاطى الحكومة مع فاجعة آسفي بما يليق بحجم الخسائر والمعاناة الإنسانية، أم أن الضحايا سيُتركون مرة أخرى في مواجهة الإهمال والنسيان؟