بيت الأب حين يُغلق في وجه البرّ: شهادة عن مصادرة صلة الرحم

0 511

 

بقلم أبو أمين – بيان مراكش

في مدينةٍ من مدن الجنوب المغربي، تُروى حكاية عائلة كان كبيرها رمزًا للعطاء والهيبة. رجلٌ أفنى عمره في تربية الأبناء وغرس القيم، فإذا به اليوم يعيش في منزلٍ لا يملك منه سوى غرفةٍ صغيرةٍ لا تليق بمقامه ولا بتاريخه.
تلك الغرفة تعكس واقعًا مؤلمًا لشيخٍ كان يومًا عنوانًا للدفء العائلي. دخول بعض الأبناء والأقارب إلى البيت أصبح في حالاتٍ كثيرة مشروطًا بـ”إذنٍ مسبق”، وكأننا أمام فضاءٍ مغلق لا منزل للأسرة.
الابن الأكبر، الذي عُرف ببرّه بوالده ومرافقته له في السراء والضراء، وجد نفسه في مواجهة أجواء مشحونة بالتوتّر، تعرّض لمحاولات استفزاز وتهديدات لفظية وجسدية، بما فيها مواقف وصلت حدّ التهديد المباشر بالسلاح الأبيض في إحدى الحوادث السابقة. كما واجه مخاطر من تحريض وتحالفات خفية بين بعض الأطراف، ما دفعه إلى التفكير في اللجوء إلى القضاء.
غير أن قراره النهائي كان العدول عن رفع الشكاية، نزولًا عند رغبة بعض الأقارب الذين سعوا إلى تهدئة الأجواء والحفاظ على صلة الرحم، مع الاحتفاظ بحقه القانوني في حال تكررت التجاوزات. قرارٌ لم يكن ضعفًا، بل اختيارًا نبيلاً قدّم فيه المصلحة الأسرية على الانتقام، إيمانًا بأن العدالة الحقيقية هي التي تحفظ الكرامة قبل العقاب.
هذا الابن، كان إلى جانب والده في أحلك اللحظات: أثناء المرض، وفي العملية الجراحية، وفي ليالي الخوف التي أعقبت زلزال الحوز، حين نام إلى جواره في العراء مواسيًا إياه، كان يزوره كل جمعة، يجلس معه حول قصعة الكسكس، ويقاسمه تفاصيل الحياة اليومية، يناديه عند الحاجة فيأتي مسرعًا حتى ولو كان في مدينة أخرى…
لكن هذه العلاقة التي كانت عنوانًا للبرّ، تحولت فجأة إلى منعٍ غير معلن، بعدما سيطرت التوترات العائلية على البيت بسبب طمع وجشع بعض المقربين، ومحاولاتهم إشعال الصراعات وتحريك الخلافات عبر المكر والتحريض والتحالفات السرية. لم يتوقف الأمر عند المنع أو الإقصاء، بل شمل ممارسة الضغط بكل الطرق المتاحة وغير المتاحة على الوالد، في محاولة للسيطرة على ممتلكاته وإرغامه على التنازل أو التفريط فيها.
داخل المنزل، سادت أجواء من التنافر والاحتكاك، واستحوذ بعض القاطنين على معظم الغرف، وتحول البيت إلى مناطق نفوذ صغيرة يتحكم فيها المزاج والمفتاح.
أما الزائرون، فقد باتوا يتحسّبون من الدخول خشية الوقوع في سوء فهم أو تهديد، بينما تم التلاعب بالعلاقات بين الأجيال لتعميق الشرخ وإحداث الفتن.
وفي خضم هذا التصدّع، برز صوت يتيم يدعو إلى التهدئة، وإلى أن تُترك الخلافات خارج أسوار البيت، وأن يُجنّب الأحفاد أجواء الكبار المسمومة. كانت دعوات إلى أن تُوجَّه الخدمة إلى الأب وحده، دون تمييز أو عتاب، وأن تعود لغة الاحترام إلى مكانها الطبيعي.
الصراع لم يقتصر على بيت الأب، بل امتد إلى خلافات حول أملاك أخرى، في مشهد يعكس كيف يمكن للطمع أن يتسلل إلى أدق الروابط الإنسانية. حتى بعض الأقارب الذين حاولوا الوقوف مع الحق والتوازن، تعرّضوا للتجريح لمجرّد دعوتهم إلى المصالحة والإنصاف.
الابن الأكبر، رغم كل ذلك، ظل صابرًا، محافظًا على هدوئه، مؤمنًا بأن البرّ لا يُقاس بالمقابل، وأن والده يستحق الراحة لا الصراعات. أما الآخرون، فاختلطت عندهم مشاعر الحقد والكراهية بالوراثة والمصلحة، فغابت عنهم حقيقة أن الأب ليس موردًا يُستثمر، بل روحًا تُكرَّم.
اليوم، يقف السؤال الكبير:
هل ما زال في قلوبنا مكان للرحمة حين تضيع بين الحسابات؟
وهل من سبيل لإيقاظ الضمائر قبل أن يُهدم ما تبقّى من الجدار الذي جمعهم؟
إنها شهادة للتاريخ، يرويها ابن لا يزال يؤمن أن أعظم إرثٍ يتركه الأب هو الأخلاق لا العقارات، وأن البرّ هو الميراث الحقيقي الذي لا يُباع ولا يُقسَّم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.