ليلة الأمانة

0 425

 

قصة قصيرة بقلم: أبو أمين – بيان مراكش

ليست كل الأبواب تُغلق بالمفاتيح، فبعضها يُغلق بنظرةٍ قاسية أو بكلمةٍ صغيرة تغيّر مجرى العمر.
في تلك الليلة البعيدة، لم يكن البرد في الجوّ وحده، بل في القلوب أيضاً.
كانت تسعينيات القرن الماضي، وكنت أعود متعباً إلى بيت العائلة بعدما أنهكني الطريق وطال المسير إلى منزلي البعيد.
طرقت الباب بخطى خفيفة، فإذا بأحد إخوتي يفتحه بوجهٍ جامد، وقال ببرودٍ مميت:

“الوالد سلّمني الدار أمانة… يعني خاصّك تمشي.”

كلماته سقطت عليّ كصخرة. لم أردّ، لأن الردّ كان سيشعل ناراً لا تنطفئ، فاكتفيت بالصمت وغادرت.
لكن الغصّة ظلت ترافقني، كظلٍّ لا يرحل.
في تلك الليلة، اضطررت للمبيت عند صديقٍ قريبٍ من الحيّ. لم أكن أدري أن ما ينتظرني سيكون فوضى عارمة: صخبٌ، سُكرٌ، وفتاةٌ تترنّح على حافة نافذة كادت أن ترمي بنفسها من شدة التيه والضياع.
كانت لحظةً فاصلة جعلتني أدرك أن الظلم حين يُغلق باباً، قد يفتح أبواباً نحو المأساة.
منذ تلك الحادثة، علمت أن الحسد ليس شعوراً عابراً، بل داءٌ يتغذّى على الغيرة ويعيش في الظلّ، ينتظر لحظة الانقضاض.
كان أخي يرمقني دوماً بنظراتٍ غامضة، يلوك بين أسنانه جملةً لاذعةً كأنها لعنة:

“الله تايعطي الحمص للي ما عندوش سنان.”

حينها فهمت أن بعض الإخوة يولدون من نفس الرحم، لكنهم لا يعرفون معنى الرحم.
بعد سنوات، رويت لأبي تلك الحكاية، لا لأعاتب، بل لأُذكّر وأُصلح.
لكنني اكتشفت أن بعض الحقائق تُقال، لكنها لا تصل… تضيع لتدخل الأذن وتخرج من الأخرى.
وهكذا بدأت الغصص الأولى…
غصص صغيرة وُئدت في الظلام، لكنها نمت في صمتٍ حتى صارت غابةً من الضباع، تتكاثر على هامش الذاكرة وتتعلم الافتراس باسم الأمانة.
واليوم، بعد مرور السنين، ما زالت تلك الغابة تعوي من بعيد. تتبدّل الوجوه، لكن الروح واحدة: روح الإقصاء التي تقتات على الحسد، وتسمّي الطرد “أمانة” والظلم “حقّاً”.

وهكذا تظلّ “ليلة الأمانة” شاهدة على بداية الحكاية… حكايةٍ لم تنتهِ بعد، لأنّ معركة الضباع ما زالت تُكتب بحبر الصبر والوعي.
القصة مستوحاة من تجربة واقعية، تمتدّ ظلالها إلى زمنٍ لا يزال ينبض في الحاضر، وتُعالج بأسلوب رمزي مأساةَ عائلةٍ دمرها الجشع والطمع والحسد، وولدت منها “معركة الضباع” التي لم تزل فصولها تُكتب بصمتٍ ومرارة.

جميع الشخصيات والأحداث الواردة بصيغتها الحالية رمزية، وأيّ تشابه مع وقائع أو أشخاص حقيقيين هو من باب المصادفة الأدبية فقط.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.