✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
ها نحن في مغرب العجائب، بلد يئن تحت وطأة الغلاء الفاحش، وتنهشه أزمة المستشفيات المريضة والمدارس المعطوبة، بينما أموال الشعب تُهدر بلا حساب في “الملاعب المليارية”، ٱستعداداً لمونديال 2030، ذاك الكابوس الملمّع الذي يريدون تسويقه لنا كـ(فخر وطني)، في حين هو في جوهره إلهاء صهيوني الطابع، مسرحي الطقوس، يُستعمل كأفيون جماعي لطمس العقول…
بحسب المعطيات الرسمية، فقد رُصد أكثر من 9 مليارات درهم فقط لتأهيل البنية التحتية الرياضية في السنوات الأخيرة، وهو رقم يكفي لبناء ما لا يقل عن 90 مستشفى إقليمي مجهز، أو ما يزيد عن 450 مدرسة قروية حديثة، أو حتى لتمويل برنامج وطني ضخم لتشغيل آلاف الشباب العاطلين الذين صاروا يبيعون (المناديل الورقية) على أبواب إشارات المرور.
ولتقريب الصورة أكثر، تكلفة بناء ملعب واحد جديد تتراوح بين 2 و3 مليارات درهم، وهو مبلغ يوازي تكلفة مستشفى جامعي ضخم مجهز بأحدث الآلات الطبية، أو يساوي بناء جامعة كاملة تستوعب عشرات الآلاف من الطلبة، أو يكفي لإحداث 5000 قسم مدرسي يُنهي مأساة الإكتظاظ.
ومع ذلك، يفضَّل أن تُصرف هذه الملايير على عشب أخضر وبلاط فاخر ومقاعد بلاستيكية للمشجعين، بدل أن تُصرف على سرير مريض يحتضر أو معلم يدرس خمسين تلميذا في غرفة متهالكة!
المضحك المبكي أن هؤلاء الساسة الذين لا يرون في المواطن إلا قطيعا قابلا للتسويق، يعرفون جيدا أن “الشيطانة المستديرة” أخطر من أي سلاح، فهي تصرف نظر الناس عن الأزمات اليومية:
«أسعار الخضر والفواكه، فواتير الماء والكهرباء، غلاء الأدوية، جحيم الكراء والسكن، البطالة… كل ذلك يتبخر أمام (ركلة جزاء) أو (هدف في الدقيقة التسعين)، فينسى المغربي همومه كما ينسى صلاته، ويتحول من ناقم إلى مشجع، من محتج إلى مصفق، وكأن “الكرة” قدر محتوم، لا فكاك منه!!».
ولكم أن تتصوروا أيها السادة أنني رأيت بأم عيني أصدقاء مقربين يمرّون من أزمات كافية لأن تُدخل الإنسان في غيبوبة من شدة وقعها: مرض قاتل، فاجعة أسرية، إفلاس مالي… كوارث تهزّ الجبال… ومع ذلك، ما إن يحين موعد مباراة، حتى يتحول هؤلاء إلى كائنات أخرى (الضحكات تعلو، الهتافات تملأ المكان، والمشاكل تتبخر كما يتبخر العرق من جباه اللاعبين!!!)، وكأن المباراة هي المخدّر الشرعي الذي يعيد الحياة لأمة تحتضر.
وهنا أصاب بالجنون:
– أليس هذا أكبر دليل على غياب الوعي بالمسؤولية الجماعية؟!
– كيف لشعب يحب وطنه أن يتعامل مع آلامه كمن يضع مسكّنا رخيصا على جرحٍ عميق، ثم يرقص فرحا وهو ينزف؟!
– أليست هذه السياسة نسخة طبق الأصل من الإستراتيجية الصهيونية القديمة ـ الجديدة؟!
السيطرة على الشعوب لا تتم بالدبابات وحدها، بل بتنويمها عبر “التفاهة المُمأسسة”، وتسليط الأضواء على “الفرجة الرياضية” حتى يغيب أي تفكير نقدي أو وعي جماعي. وهكذا نرى المواطن المغربي الذي لا يجد ثمن علبة دواء لابنه المريض، يبيع آخر ما عنده ليشتري تذكرة لحضور مباراة ودية!
يا سادة، إن المونديال ليس مشروعا وطنيا، بل مشروعا تجاريا للمنتفعين، وواجهة دعائية للنظام السياسي، وفرصة ذهبية لأصحاب الشركات والمقاولات الفاسدة الذين سيلتهمون مليارات الدراهم عبر الصفقات المشبوهة… أما الشعب، فلن ينال من هذه (الملحمة) سوى الفتات(صخب في المقاهي، أعلام تُلوّح في الشوارع، ودموع تُذرف على الهزائم…)، بينما تظل المستشفيات تستقبل المرضى في ممراتها، والمدارس تنهار على رؤوس التلاميذ، والأطباء يهاجرون، والأساتذة يحتجون.
الكرة ليست مجرد لعبة في المغرب، بل عقيدة سياسية، تُنفق عليها الملايير لشراء السكينة الوهمية، وصدق من قال:
«إذا أردت أن تُلهي شعبا، أعطه الخبز والفرجة».
لكنهم لم يعطونا الخبز، بل أعطونا فقط الفرجة، والخبز صار رفاهية لا يملكها إلا أصحاب المال والنفوذ.
إنني أقولها بمرارة وغضب، إن كل درهم يُصرف على الملاعب هو:
✓جريمة في حق المريض الذي يموت بسبب غياب الأدوية…
✓وجريمة في حق التلميذ الذي يدرس في قسم يضم أكثر من خمسين تلميذا…
✓وجريمة في حق الأرملة التي تبحث عن لقمة كريمة فلا تجد…
فلتذهب “الشيطانة المستديرة” إلى الجحيم، ولتسقط هذه السياسة الملعونة التي تُحوِّل الملاعب إلى كعبة جديدة، والطوابير إلى صفوف مصلين، والهتاف الوطني إلى مجرد (أغنية جمهور).
لكن الأدهى من ذلك، أن الشعب نفسه صار شريكاًد في الجريمة، ينسى جوعه أمام مباراة، ويغفر للفاسد كل خطاياه إن ٱبتسم له لاعب، ويتحول من ضحية إلى مدمن على الوهم!!
فلتعلموا إذن أن المونديال لن ينقذ المغرب، ولن يمحو الفقر، ولن يحرر المواطن من أزماته، بل سيزيد الطين بلة، والديون ثقلا، والفساد رسوخا… أما الشعب فسيبقى يركض وراء الكرة، تماما كما يركض وراء السراب!!!
وليعلم الجميع، أن ما يُزرع اليوم من ملاعب إسمنتية سينبت غدا خرابا ٱجتماعيا واقتصاديا، فبعد أن تُطفأ أنوار المونديال، ستبقى الديون مُثقلة، والمستشفيات خاوية، والمدارس متداعية، والشباب عاطلا، فيما المنتفعون يعدّون أرباحهم ويهربون بها إلى الخارج.
وحينها سيفيق الشعب من غيبوبته، لكن بعد فوات الأوان، ليكتشف أن الكرة لم تكن سوى طُعم سام، ٱبتلعناه ونحن نصفّق ونغني، فإذا بنا نُصفّد بقيود جديدة، أقسى من ذي قبل.