جريمة إيموزار… حين يسقط الشرطي ضحية غياب الدولة! …

0 1٬231

 

بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

هناك جرائم لا يقتل فيها القاتل ضحيته فقط، بل تقتل معها معنى الدولة ومسؤوليتها.
هكذا كانت مأساة “إيموزار”، حين تحوّل شارع عام إلى مسرح دموي، فسقط الشرطي شهيد الواجب، غدرا بسكين في يد رجل ستيني مشرّد ومضطرب عقلياً.
لحظة واحدة كانت كافية لتحويل بيت إلى مأتم، ومجتمع إلى جرح جديد ينزف.
لكن السؤال المؤلم ليس:
– لماذا قتل مختل عقلي شرطياً؟
– بل كيف تُرك هذا المختل العقلي طليقاً، بلا علاج، بلا مأوى، بلا مراقبة؟

المسؤولية هنا واضحة وثقيلة:
✓”أمين التهراوي”وزير الصحة الحالي:
رجل لا يفقه شيئاً في القطاع، ولا يرى في الوزارة سوى وسيلة لزيادة ٱزدهار مصالح عائلة أخنوش وحماية لوبياتها الإقتصادية، أما إصلاح الصحة النفسية أو بناء مستشفيات متخصصة، فلا وجود لها في أجندته. «القانون المؤطر يعود إلى 1959، ولا أحد في وزارته يجرؤ على تغييره».

✓”عبد الوافي لفتيت”، وزير الداخلية:
قبل أشهر فقط، وقف أمام البرلمان وأعلن أن المختلين عقلياً ٱرتكبوا 475 جريمة سنة 2024، مقابل 246 في 2023.
هذه ليست أرقاماً للتفاخر بالشفافية، بل هي محاضر ٱتهام ضد وزارة تعرف حجم الخطر ولا تحرّك ساكناً، مكتفية بٱنتظار وقوع الجريمة التالية.

✓”عبد اللطيف الحموشي”، المدير العام للأمن الوطني:
لا يكفي أن تصدر المديرية العامة للأمن الوطني بلاغ تعزية وتمنح ترقية بعد الموت.
– فهل أصبح قدر الشرطي أن يسقط قتيلاً حتى يحظى بما حُرم منه حياً؟
– أي عدالة هذه؟ وأي منطق يجعل التضحية بالحياة هي الثمن الوحيد لنيل ٱعتراف المؤسسة؟

✓الولاة وعمداء المدن:
آخر ما يشغلهم هو هؤلاء المتشردون المنسيون، الذين يتحولون إلى (قنابل بشرية) تهدد الأمن الإجتماعي!
لا يتذكرونهم إلا عند الزيارات الملكية، حيث تُنظَّف الشوارع بسرعة قياسية، ويُجمَع المتشردون في مراكز مؤقتة حتى يمرّ الموكب، ثم تُعاد (حليمة لعادتها القديمة)… الشوارع تعج بالمشردين من جديد، وكأننا في مسرحية سخيفة تتكرر على حساب كرامة الإنسان وحياة المواطنين.

إن جريمة “إيموزار” تفضح فشلا مركبا:
✓وزارة صحة في خدمة لوبيات المال لا في خدمة المواطن.
✓وزارة داخلية تحصي الجرائم بدل أن تمنعها.
✓مؤسسة أمنية لا تكرّم رجالها إلا بعد أن يُقتلوا.
✓ولاة وعمداء مدن لا يرون المرضى والمشردين إلا كـ(زينة مزعجة) يجب إخفاؤها مؤقتا عند البروتوكولات الملكية.

لقد سقط الشرطي شهيد غياب الدولة، وليس شهيد الواجب فقط، وسيسقط غيره غدا ما دامت المقاربة الأمنية هي الحل الوحيد، وما دامت المستشفيات النفسية مجرد أطلال مهجورة، وما دامت أسر المرضى تُترك وحدها في مواجهة محنة أكبر من طاقتها.

– فإلى متى ستظل الدولة تحصي الجثث وتوزع الترقيات بعد الموت، بدل أن تبني مستشفى واحدا يوقف هذا النزيف؟
– وهل أصبحت حياة المواطن والشرطي معا أرخص من صفقة ٱنتخابية أو مشروع تجميلي يخدم صورة الحكومة أكثر مما يخدم الوطن؟

إنها أسئلة تنزف مثل دماء “إيموزار”، ولن تجد جوابا إلا إذا تحركت الدولة بجدية… والمطلوب اليوم ليس بلاغ تعزية ولا تصريحاً برلمانيا، بل:
✓فتح لجنة تحقيق وطنية مستقلة تكشف حقيقة التقصير في هذه الجريمة.
✓إطلاق برنامج وطني عاجل للصحة النفسية يضمن العلاج والمأوى والمراقبة للمرضى العقليين.
✓إصلاح جذري لمنظومة الأمن يضمن حماية رجال الشرطة وهم أحياء، لا ترقيتهم بعد أن يصبحوا مجرد أسماء على لائحة الشهداء.

فغير ذلك… ستبقى “إيموزار” مجرد بداية لسلسلة مآسي جديدة، وسيدفع الوطن ثمن صمته بالدم، ولك الله يا وطني!.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.