المنصوري تحت مقصلة الرأي العام هل هي أزمة أخلاق أم سقوط نقاش؟

0 782

محمد سيدي : بيان مراكش

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مجالا مركزيا للتعبير عن الرأي وتداول القضايا ذات الطابع العام ، غير أن هذا الحيز الرقمي الذي كان من المفترض أن يعزز النقاش الديمقراطي وينقل صوت المواطنين بشأن السياسات العمومية، يشهد انزياحا مقلقا نحو الاهتمام بالتفاصيل الشخصية والجدل حول الأفراد، بدل التركيز على القضايا الهيكلية التي تمس المجتمع في عمقه.

لقد تحول النقاش في الفضاء الرقمي إلى ساحة لصناعة الإثارة، حيث تحظى القضايا السطحية والرائجة بمتابعة جماهيرية تفوق بكثير ما تحظى به القضايا التنموية أو التشريعية،وفي هذا السياق، أصبحت “بنت الصالحين”، في إشارة إلى الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، مادة خصبة للتداول والتعليق ، بشكل يتجاوز حضورها السياسي أو المؤسساتي نحو تسليع صورتها الشخصية وتحويلها إلى “ترند” يومي … لقد صارت حياتها الخاصة، تثير من الجدل والانقسام أكثر مما تثيره مشاريع القوانين أو البرامج الحكومية أو مشاكل الشأن المحلي، وهو ما يعكس إنقلابا في سلم الأولويات داخل النقاش العمومي الرقمي .

و الأخطر من ذلك أن هذا الفضاء لم يعد فقط ساحة للنقاش، بل تحول إلى ما يشبه “محكمة جماعية” تطلق فيها الأحكام على الأشخاص بلا معايير ولا ضمانات… و أصبحنا نحاكم الناس على إرثهم الخاص و العائلي ، كما لو كنا “سلطة قضائية” …
فكيف يعقل خلط الحياة الخاصة “العائلة” بالمهام المرتبطة بالتسيير والتدبير، فتستدعى الخصوصيات الفردية للمساءلة ، كأنها جرائم سياسية أو أخلاقية تستحق المحاكمة ،و في هذا السياق، لا تستدعى الأخلاق باعتبارها منظومة قيم تؤسس للتسامح والتعايش، بل تستعمل كأداة للإدانة ، ما يفرغ النقاش من معناه ويحوله إلى ساحة فرز أخلاقي مبني على الانفعال لا على الفهم .

هذا الانزلاق لا يهدد فقط سمعة الأفراد وكرامتهم ، بل يفرغ ويمرمد النقاش العمومي من مضامينه الجدية، في الوحل ويحول القضايا الحقيقية إلى خلفية صامتة أمام ضجيج إرث عائلة المنصوري ، مما يخلق بيئة طاردة للنقاش الرصين ، ويضعف إمكانات التراكم الديمقراطي على المدى الطويل .

إن تدني جودة النقاش العمومي لا يعكس فقط هشاشة الوعي الجماعي ، بل يعوق أيضا إمكانيات التغيير والإصلاح ، إذ لا يمكن لمجتمع مشغول بتفاصيل ثانوية أن يبلور رؤية نقدية تجاه السياسات العمومية، أو أن يمارس ضغط جماعي نحو تحسين شروط العيش المشترك .

من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه النقاش العمومي نحو ما هو جوهري، من خلال تنمية الوعي السياسي والمدني … مع تعزيز دور الفاعلين بالمجتمع المدني في تأطير الحوار المجتمعي ، بما يجعل من وسائل التواصل الاجتماعي أداة للمساءلة والنقاش الجاد ، لا مجرد فضاء للترفيه أو إصدار الأحكام الأخلاقية على الأفراد .

لقد آن الأوان أن نقول بوضوح كفى خلطا بين الحياة الخاصة والعامة ، وكفى تساهلا مع الممارسات التي تفرغ النقاش من محتواه الحقيقي … مهما إختلفت الآراء حول إختياراتها أو موقعها… تبقى فاعلة سياسية تقيم على أساس الأداء والمؤسسات ، لا على أساس الإرث أو الإنتماء العائلي أو الشخصي ، فإستمرار الإستهتار بسمعة الأفراد، وتحويلهم إلى مادة للتشهير الجماعي، لا يسيء فقط إليهم، بل يهدم أسس النقاش الديمقراطي نفسه، ويغلق الباب أمام أي أمل في بناء رأي عام ناضج ومسؤول .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.