موت تحت الحراسة… من قتل الأستاذ الشاب؟..

0 1٬490

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في مغرب يوليوز 2025 ، لم يكن موت الأستاذ الشاب “معاذ بلحمرة” مجرد خبر عابر ، بل صدمة وطنية ، ولطمة في وجه منظومة تعليمية تسلّحت بالجمود ، وأدمنت الإهمال ، وتفننت في قهر من يُفترض أنهم عماد المستقبل.

 

شاب في مقتبل العمر ، حديث الإلتحاق بسلك التعليم ، يُكلَّف بتدريس مواد مختلفة في ثلاث مؤسسات متباعدة جغرافيًا.

ثلاث جماعات ترابية!

ثلاث بيئات مشتتة!!

ثلاث فصول لا رابط بينها!!!

السؤال هنا:

✓هل هذه بداية مشوار ، أم أول طريق الإنهيار؟

✓أي دولة هذه التي ترسل أطرها التربوية إلى المجهول دون دعم ، دون مرافقة ، دون ٱستقرار؟

 

لكن المصيبة لم تقف عند حدّ التشتت الجغرافي والإرهاق اليومي ، بل تجاوزتها إلى مستوى من التسلط الإداري المقزز.

إدارةٌ متغطرسة ، ومديرة حسب شهادات الأساتذة ، تتفنن في الترهيب النفسي ، مرددة عبارتها الشهيرة: (والله حتى نربي البريهيش!) ، وكأن المؤسسة التعليمية (سجن ݣوانتانامو) ، لا فضاء للتربية والتكوين.

 

ووسط هذا الضغط والتشتيت ، تأتي شكاية من جمعية الآباء تتهم الأستاذ بالعنف ضد تلميذ ، لكن الغريب ، أن بعض أولياء الأمور تراجعوا وسحبوا أقوالهم ، لكن لا أحد أصغى.

الوزارة لم تنتظر كثيرا (قرار توقيف فوري ضد معاذ!).

بلا ٱستماع ، بلا تحقيق متوازن ، بلا حتى ٱحترام لكرامة المعني ، مجرد بلاغ ٱتهام كافٍ لتسحب منه لقمة عيشه ، ويُلقى به إلى الهامش.

 

ثم جاءت الطعنة الأشد إيلاما:

«ٱعتداء جسدي أمام زملائه ، من طرف حارس أمن خاص (سيكيريتي)

نعم ، أستاذ في مؤسسة عمومية ، يُضرب كما يُضرب المجرمون… ولا أحد تحرك!!

لا الإدارة ، لا النقابة ، لا حتى من يدّعون الدفاع عن كرامة المعلم.

 

وهنا ، نفتح القوس الكبير عن ظاهرة أصبحت مستفحلة:

حراس الأمن الخاص ، أو كما يُلقّبهم الشارع المغربي ب (فتوّات العهد الإداري الجديد!!!).

صار من المعتاد في إدارات الدولة ، أن لا تقع في مشكل مع المدير أو الكاتب العام أو حتى الطبيب الجراح… بل مع سي (سيكيريتي).

في مستشفياتنا العجيبة ، يمكنك أن تلج إلى غرفة العمليات بٱبتسامة الطبيب ، وتُسلّم على الممرضة بٱرتياح ، لكن إن حاولت تجاوز المتر الأول من الباب دون أن تنحني للفتوّة (سيكيريتي) ، فٱستعد لتجربة جسدية صوتية نفسية ، قد تنتهي بك في قسم المستعجلات… إن بقي لك شيء تُسعفه.

 

في مدارسنا ، تحوّل (السيكيريتي) إلى ضابط تأديب ، وصار يصدر الأوامر كما يشاء ، وأحيانًا يترجمها باللكم والدفع والسب العلني ، في غياب تام لأي محاسبة أو تكوين أو ضوابط مهنية ، والأمثلة عديدة وكثيرا في هذا الباب.

 

ولأن الدولة تخلّت عن الٱستثمار في الكرامة ، أسندت الأمن إلى شركات خاصة ، تكدّس الأفراد كما تُكدّس الحصى ، دون مستوى ، دون تكوين ، دون رقابة ، ودون رادع.

 

ما جرى “لمعاذ” لم يكن ٱستثناءا ، بل حلقة من سلسلة طويلة من الإنتهاكات التي يتعرض لها المواطنون في صمت.

المواطن البسيط يُهان ، الأستاذ يُصفع ، المريض يُدفع ، والموظف يُسب… و(السيكيريتي) في كل مشهد حاضر ، كأنه ظل الدولة حين تغيب العدالة.

 

والمُرعب في هذه القصة ، أنها لم تعد ٱستثناءا ، فقد تحوّلت وسيلة الإنتحار إلى مخرج مأساوي متكرر لدى عدد من المضطهدين في مفاصل الإدارة المغربية ، وعلى رأسها «الإدارة العامة للأمن الوطني» ، حيث ٱهتز الرأي العام في أكثر من مناسبة على وقع ٱنتحار رجال أمن ، عانوا بدورهم من التهميش ، الضغوط ، وٱنسداد الأفق داخل مؤسساتهم.

وكأن الوطن لم يَعُد يُقصي فقط ، بل يُطارد حتى اليائسين ، ويدفعهم إلى السقوط الأخير… سقوط الصمت.

 

أما الوزارة ، فقد ٱكتفت بالقول:

«إن الأستاذ لم يُحرم من مستحقاته ، وكأن الراتب دواء يُعالج الإهانة ، أو جدارٌ يصدّ الإنهيار النفسي».

 

ثم خرج الوزير ليطلق (نكتة الموسم) حين ٱدعى بكل ثقة وبلا خجل:

«أن دولا أجنبية تحسدنا على منظومتنا التعليمية!»

✓عن أي منظومة تتحدث ، يا معالي الوزير؟

هل تقصد بوركينا فاسو؟

✓أم جمهورية إفريقيا الوسطى؟

أم جزر القمر؟

 

بينما دول كانت إلى الأمس القريب تداوي جراح الحروب ، كرواندا وڤيتنام ، باتت تُخرّج المبتكرين وتقود التعليم الذكي ، ما زلنا نحن نحشو الأقسام ، ونرهب الأساتذة ، ونطرد المعلمين بدل أن نحتضنهم.

 

ما حدث “لمعاذ” ليس خطأ فرديا ، بل جريمة ممنهجة ، شارك فيها الجميع: الوزارة ، المديرية ، الإدارة ، الجمعيات ، حارس الأمن ، وحتى الصمت العام.

هي مأساة تختزل فشل إصلاح التعليم في المغرب ، وتكشف إلى أي مدى بات الأستاذ مهددا ، محاصرا ، ومجرد رقم يمكن الإستغناء عنه بضغطة قلم.

 

“معاذ” مات ، لكن قضيته لن تموت.

لأن صمته الأخير أقوى من كل الخطب ، وأبلغ من كل تقارير الوزارة.

فإما أن نحاسب المتورطين ، ونعيد الٱعتبار لكرامة المعلم… أو فٱنتظروا المزيد من المآسي… لأن هذا البلد ، بكل بساطة ، صار يُجهز على من يدرّس أبناءه.

حقا ، لك الله يا مغربي!.

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.