في تحول لافت في مسار تدبير شؤون الإدارة الترابية، وجّهت وزارة الداخلية رسائل صارمة إلى صفوف رجال السلطة، بعدما قررت توسيع دائرة المحاسبة لتشمل فئة القياد والباشوات ورؤساء الدوائر، الذين كانوا إلى وقت قريب يُعتبرون محصنين، ولو بشكل غير رسمي، من آليات العزل والمساءلة التي ظلت تلاحق المنتخبين بشكل أساسي.
من المنتخب إلى رجل السلطة: تغيير في بوصلة المحاسبة
لقد دأب الرأي العام الوطني على متابعة قرارات العزل أو التوقيف التي تطال المنتخبين بسبب ملفات تدبيرية أو شبهات فساد، لكن ما تشهده الساحة اليوم يكرس انتقالًا نوعيًا في الفلسفة الرقابية، حيث لم تعد المحاسبة تقتصر على المسؤولين السياسيين، بل أصبحت تشمل رجال الإدارة الترابية الذين يُفترض أن يكونوا النموذج في الانضباط واحترام القانون.
بؤر عبث داخل الإدارة الترابية
مصادر متعددة تتحدث عن “بؤر عبث” تم رصدها داخل عدد من القيادات والدوائر، سواء من خلال تقصير في التدبير، أو تساهل في فرض القانون، أو حتى تجاوزات تمسّ بواجب الحياد والنزاهة. هذا ما دفع الوزارة إلى التحرك بشكل حاسم، عبر تفعيل آليات العزل والتأديب، في إطار ما يمكن وصفه بـ”حملة تطهير إداري” تهدف إلى إعادة الثقة في جهاز السلطة المحلية.
العزل الإداري: سلاح فعال لتطهير الصفوف
تفعيل سلاح العزل من قبل وزارة الداخلية ليس إجراءًا عاديًا، بل هو أقوى أشكال المحاسبة الإدارية، ويعني في حالات كثيرة نهاية المسار المهني للمسؤول المعني. العزل يطال الذين ثبت تقصيرهم في أداء مهامهم، أو من ثبت تورطهم في ممارسات تتعارض مع مبادئ الحياد والمهنية، خصوصًا في فترات انتخابية أو في سياق تدبير الملفات الاجتماعية الحساسة.
رسالة صارمة: لا أحد فوق المحاسبة
الرسالة التي تبعث بها وزارة الداخلية من خلال هذه القرارات واضحة: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج دائرة المحاسبة. فسواء تعلق الأمر بمنتخب سياسي أو رجل سلطة، فإن منطق دولة المؤسسات يفرض الخضوع لنفس القواعد، في احترام صارم لمبادئ المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
إصلاح حقيقي أم إجراءات ظرفية؟
يبقى السؤال مطروحًا: هل تشكّل هذه الحملة بداية تحول استراتيجي في تدبير شؤون الإدارة الترابية؟ أم أنها مجرد إجراءات ظرفية تستجيب لضغط الرأي العام وتراكم الاختلالات؟. الجواب ستحمله الأيام المقبلة، بحسب مدى استمرارية هذا النهج وتعميمه على مختلف المستويات.
التحول في بوصلة المحاسبة من المنتخبين إلى رجال السلطة يمثّل خطوة جريئة من وزارة الداخلية، ويعكس رغبة واضحة في تحقيق توازن في الرقابة الإدارية، وضمان أن لا أحد في دواليب الدولة يظل بمنأى عن المساءلة، مهما علا منصبه.