✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في عمق الحياة اليومية بالمغرب ، يقف «رجل الأمن» حارسا للسلم ، ساهرا على حماية الأرواح والممتلكات ، متحمّلا ثقل المهام وتقلبات الشارع ، بين نبض المواطن وتعقيدات الإدارة.
ورغم أن هذه الوظيفة توصف بـ«النبيلة» ، إلا أن الواقع يكشف عن معاناة نفسية صامتة تنهش كيان «رجال الأمن» في صمت ، وتهدد توازنهم الإنساني والمهني على حد سواء.
✓أولا: الضغوط الإدارية… عبء البيروقراطية وظلم الترقيات
يواجه «رجل الأمن» المغربي نظاما إداريا متكلسا ، يغيب فيه التحفيز وتنتشر فيه المحسوبية في الترقية والتكليف بالمناصب.
يجد نفسه مطالبا بتنفيذ الأوامر مهما كانت ، دون أن يُسمح له بمساحة للنقاش أو التعبير عن الرأي.
يعيش داخل منظومة تنظر إليه «كرجل آلي» لا يحق له أن يتعب أو يتألم… مما يخلق شعورا دائما بالإحباط والتهميش…
إضافة إلى ذلك ، يُثقل «رجال الأمن» بساعات عمل إضافية مستمرة ، تتجاوز أوقات الدوام الرسمي ، دون أي تعويض مادي أو معنوي!
هذه الساعات الإضافية تذهب سدى ، من غير مقابل حقيقي ، وبدون حسيب أو رقيب ، ما يضيف عبئا إضافيا على كاهلهم ، ويزيد من شعورهم بعدم التقدير أو العدل!!
هذه الظاهرة تُفاقم الأزمة النفسية التي يعيشها «رجال الأمن» ، حيث يضطر للعمل لساعات طويلة تحت ضغط مستمر ، في ظل غياب أي نظام يضمن لهم الراحة أو تعويض هذه الجهود!!!
✓ثانيا: العطلة السنوية غير كافية
على الرغم من الجهود الجبارة التي يبذلها رجل الأمن طوال العام ، فإن العطلة السنوية المقررة لا تكاد تكون كافية لتجديد طاقته النفسية والجسدية.
فمع تزايد ساعات العمل وطبيعة المهام التي تتطلب تركيزا عاليا وٱستمرارا في العمل ، يصبح من الصعب على «رجل الأمن» أن يجد الوقت الكافي للراحة والإستجمام.
هذا الأمر يستدعي إعادة النظر في سياسات العطلات السنوية ، بحيث تكون أكثر توافقا مع حجم المجهودات المبذولة ، وتمنح «رجال الأمن» فرصة حقيقية لٱستعادة نشاطهم وتجديد قوتهم لمواصلة العمل بأداء أفضل.
✓ثالثا: العائدات المادية الهزيلة
إلى جانب الضغوط التي يواجهها «رجال الأمن» على الصعيدين المهني والنفسي ، يعانون من العائدات المادية الهزيلة مقارنة بحجم المسؤوليات التي يتحملونها.
فالمقابل المالي لا يتناسب مع حجم الأعباء التي ينوء بها «رجل الأمن» ، سواء كانت تلك المسؤوليات تتعلق بحماية الأمن العام أو التصدي للمخاطر اليومية.
هذا التفاوت الكبير بين العائدات المادية والمهام الجسيمة يساهم في زيادة الشعور بالٱستنزاف والإحباط ، ويُضعف من تحفيزهم للعمل بشكل مثمر.
✓رابعا: التوتر الداخلي المستمر
يضاف إلى ذلك التوتر الداخلي المستمر بين مختلف الأسلاك الأمنية ، سواء بسبب سياسات داخلية غير واضحة أو عداءات قد تكون ناتجة عن التنافس على المناصب أو الٱنتماءات.
هذا التوتر بين عناصر «الأمن» لا يمكن تجاهله ، فهو يشكل عبئا إضافيا على الأداء العام ، ويؤثر سلبا على التعاون داخل المؤسسة الأمنية.
في مثل هذه الأجواء ، يصبح من الصعب الحفاظ على روح الفريق وتنسيق الجهود بشكل فعال ، مما ينعكس سلبا على المردودية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
✓خامسا: نظرة المواطن… بين فقدان الثقة وتعميم الإدانة
«رجل الأمن» ، بالنسبة لكثير من المواطنين ، لم يعد يمثل رمز الحماية ، بل صار يُنظر إليه بعين الشك ، نتيجة تراكمات تاريخية ، وسوء فهم الأدوار ، وبعض التجاوزات الفردية التي عُمّمت على الجميع.
في كثير من الأحيان ، يُعامل «الشرطي» كـ(خصم) لا كجزء من النسيج المجتمعي ، وتُنسى إنسانيته ، و ٱحتياجاته ومعاناته…
هذا التنافر المجتمعي يضع «رجل الأمن» في وضعية توتر دائم ، فهو يعيش في حالة ٱستنفار نفسي ، ما بين إرضاء الإدارة وخدمة المواطن الذي قد يقابله بالجحود أو العداء ، مما يؤثر سلبا على ثقته بنفسه ، ويُضعف من قدرته على التواصل والتفاعل بشكل صحي.
✓سادسا: النتائج النفسية… أمراض صامتة ومخاطر ظاهرة
نتيجة لكل هذه الضغوط ، تنتشر بين رجال الأمن» حالات القلق المزمن ، والٱكتئاب ، والٱحتراق النفسي ، بل وتصل في بعض الحالات إلى الإدمان أو الانهيار العصبي ، وأحيانا إلى السكتة القلبية أو الإنتحار.
ومع ذلك ، لا تتوفر آليات فعالة لدعمهم نفسيا ، ولا توجد ثقافة مؤسساتية تعترف بحاجتهم إلى التوازن النفسي.
إن غياب «أطباء نفسانيين» في مقرات العمل ، وعدم توفر فضاءات للتفريغ النفسي ، يزيد من تفاقم الوضع ، ويجعل «رجل الأمن» قنبلة موقوتة ، يُطلب منه أن يكون صارما عادلا متفهما ومتفانيا… دون أن يُعطى أدنى مقومات الصمود!
✓سابعا: نحو إنصاف رجال الظل
الحديث عن إصلاح قطاع «الأمن» لا يكتمل دون الإشارة إلى الصحة النفسية لرجاله.
يجب أن نعيد ل«رجل الأمن» إنسانيته المهدورة ، نحتاج إلى إدارة عادلة ، تعتمد الشفافية في الترقية ، وتوفر الدعم النفسي المنتظم ، وتُعلي من شأن الكفاءة لا الولاء.
كما يجب أن تُبذل مجهودات للتقريب بين «رجل الأمن» و«المواطن» ، عبر حملات توعية ، وبرامج تواصلية تعيد الثقة وتصحّح الصورة النمطية ، ليدرك «المواطن» أن «الأمني» ليس خصما ، بل شريكا في بناء الأمان والإستقرار.
«رجل الأمن» المغربي ليس آلة لتنفذ الأوامر بلا كلل أو شكوى… بل هو إنسان له قلب يتألم ، وعقل يرهق ، ونفس تئن تحت وقع ضغوط متعددة الجهات…
إن تجاهل حالته النفسية هو تجاهل «لأمن المجتمع» بأسره ، آن الأوان لنفتح هذا الملف الشائك ، وننصف رجالا نذروا أنفسهم من أجل «وطن» ، فٱستنزفهم «الوطن» دون أن يمنحهم حقهم في الراحة والإحترام ، بل جعل منهم (محكومين بجناية).. بعدما كانوا أحرار!.