“الصحافة المغربية بين مطرقة التفرقة وسندان غياب التضامن المهني”

0 499

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في زمن باتت فيه الصحافة في المغرب تواجه تحديات كبرى ، لم يعد المشهد الصحفي يقتصر على صراع الصحفيين مع القيود السياسية والإقتصادية ، بل أصبح يعاني من معضلة داخلية خطيرة ، ألا وهي «غياب التضامن المهني بين أبناء القطاع!»
هذا التضامن الذي كان يوما عماد قوة الصحافة وأساس دفاعها عن حرية التعبير والحقوق المهنية ، أصبح مجرد ذكرى باهتة ، تذكرنا بما كان يفترض أن يكون عليه المشهد الصحفي.

✓قضايا تعكس غياب التضامن:
لعل أبرز الأمثلة التي تُظهر هذا التراجع المخيف في قيم التضامن المهني الصحفي هي قضايا صحفيين مثل «توفيق بوعشرين» و «حميد المهداوي».

1- توفيق بوعشرين:
صحفي ومؤسس جريدة «أخبار اليوم» ، وجد نفسه في قلب قضية قضائية معقدة أدت إلى ٱعتقاله وسجنه.. ورغم أن قضيته أثارت جدلا واسعا حول حرية الصحافة وٱستقلاليتها ، إلا أن الدعم الذي تلقاه من زملائه كان محدودا للغاية ، ما يعكس خوف الوسط الصحفي من التداعيات أو ضعف الإرادة الجماعية للدفاع عن أحد رموز المهنة..

2- حميد المهداوي:
رئيس تحرير «موقع بديل» ، المعروف بجرأته في طرح قضايا حساسة ، واجه هو الآخر محاكمة ٱنتهت بسجنه لسنوات.. هذه القضية أبرزت مدى العزلة التي يشعر بها الصحفيون المغاربة في أوقات الأزمات ، إذ لم يجد «المهداوي» تضامنا حقيقيا من المؤسسات المهنية أو من زملائه..

3- قضايا أخرى:
مثل قضية «علي أنوزلا» الذي تعرض للملاحقة بسبب مواقفه الصحفية ، مما يظهر نمطا متكررا من غياب الدعم الفعلي..
فالصحفيون غالبا ما يُتركون لمواجهة مصيرهم بمفردهم ، في وقت يتطلب فيه الأمر موقفا جماعيا قويا.. لكن ، لا حياة لمن تنادي!

✓أسباب غياب التضامن المهني:
1/ الخوف من التبعات:
أصبح الصحفيون يخشون الدفاع عن زملائهم ، خوفا من أن يواجهوا هم أيضا ضغوطا أو ملاحقات…
هذا الخوف عزز ثقافة الصمت والتراجع ، لكن.. جبلت الناس على الخوف!!

2/ الإنقسامات السياسية والأيديولوجية:
التفرقة بين الصحفيين بناءا على ٱنتماءاتهم الفكرية والسياسية ، جعلت التضامن المهني مستحيلا ، إذ أصبحت المصالح الشخصية والأيديولوجيات تغلب على المصلحة العامة.

3/ ضعف النقابات المهنية:
النقابات التي يفترض أن تكون الدرع الحامي للصحفيين أصبحت إما ضعيفة أو غير فعالة ، وتفتقر إلى رؤية موحدة للدفاع عن حقوق الصحفيين أمام التحديات ، وهذه طامة كبرى!!!

✓التداعيات الخطيرة لغياب التضامن:
غياب التضامن المهني لا يضر فقط بالصحفيين كأفراد ، بل يعرض المهنة بأكملها للخطر.
فعندما يفقد الصحفيون القدرة على الدفاع عن أنفسهم وعن زملائهم ، يصبح المجال مفتوحا أمام الإنتهاكات ، وتصبح حرية التعبير مهددة أكثر من أي وقت مضى ، كما أن هذا الغياب يؤدي إلى مزيد من التشرذم داخل الوسط الصحفي ، ما يضعف قدرة الإعلام على أداء دوره كسلطة رابعة ومراقب للمجتمع.

إذا ، كيف يمكن إحياء التضامن المهني؟

* إعادة بناء الثقة بين الصحفيين:
لايمكن للتضامن أن ينشأ في بيئة يفتقر فيها الصحفيون للثقة ببعضهم البعض ، يجب تعزيز الحوار المهني الصادق بين أفراد القطاع.

– تعزيز دور النقابات والمؤسسات:
على النقابات أن تتحمل مسؤوليتها بشكل أفضل ، وأن تقدم الدعم القانوني والمعنوي للصحفيين الذين يواجهون التحديات.

– التكوين المستمر:
يجب توفير برامج تدريبية تعزز من وعي الصحفيين بقيم التضامن وأهميته ، وتشجعهم على الوقوف صفا واحدا أمام الأزمات.

– العمل على إصلاح قانوني:
لا بد من إصلاحات قانونية تعزز ٱستقلالية الإعلام ، وتحمي الصحفيين من الضغوط والملاحقات التعسفية.

إن الصحافة المغربية التي كانت يوما رمزا للنضال والحرية أصبحت الآن تعاني من تآكل قيمها الأساسية بفعل التفرقة وغياب التضامن المهني..
وبين مطرقة الانقسامات وسندان الخوف من التبعات ، تتراجع قدرة الصحفيين على حماية أنفسهم ومهنتهم!
ومع ذلك ، فإن الأمل لا يزال قائمًا لإعادة بناء المشهد الصحفي على أسس الوحدة والتكاتف ، شرط أن يتحلى الجميع بإرادة جماعية لإعلاء المصلحة العامة على المصالح الضيقة.

فبدون تضامن حقيقي ، ستظل الصحافة في دائرة الخطر ، ومعها مصير حرية التعبير والديمقراطية.
الصحفيون هم صناع الرأي العام ، وإذا ٱستسلموا للتفرقة والخوف ، فإن المجتمع بأسره سيكون الخاسر الأكبر.
فالتضامن ليس خيارا ، بل ضرورة لا غنى عنها لإحياء روح المهنة وضمان بقائها.
لأن الكرامة وعزة النفس نقطة.. ينتهي عندها كل شيء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.