واقع المحروقات بالمغرب بين تقلبات الخارج واختلالات الداخل
واقع المحروقات بالمغرب بين تقلبات الخارج واختلالات الداخ
في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة على الساحة الدولية، خاصة مع تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعيش أسواق الطاقة العالمية على وقع تقلبات حادة تنعكس بشكل مباشر على أسعار المحروقات. والمغرب، باعتباره بلداً مستورداً للطاقة، يظل من بين أكثر الدول تأثراً بهذه التحولات، حيث تنتقل صدمات السوق الدولية بسرعة إلى جيوب المواطنين، لتزيد من حدة غلاء المعيشة.
إن الارتفاع المستمر في أسعار البنزين والغازوال لا ينعكس فقط على تكلفة التنقل، بل يمتد تأثيره إلى مختلف مناحي الحياة اليومية، من أسعار المواد الغذائية إلى كلفة الخدمات، مما يجعل ملف المحروقات أحد أبرز القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل الرأي العام المغربي.
وفي هذا السياق، تطرح إشكالية الدعم الموجه لقطاع المحروقات نفسها بإلحاح، خاصة في ظل ما يُتداول حول وجود اختلالات في طرق الاستفادة منه. إذ تشير بعض المعطيات إلى أن هذا الدعم لا يصل دائماً إلى مستحقيه الحقيقيين، بل يستفيد منه أحياناً أشخاص لا يمارسون أي نشاط فعلي يستدعي هذا الدعم، مستغلين امتلاكهم لوثائق مثل البطاقة الرمادية (carte grise) لوسائل نقل قديمة أو غير مستعملة.
هذا الوضع يفتح الباب أمام نوع من التدليس أو الاستفادة غير المشروعة، حيث تتحول آلية الدعم من أداة لتحقيق التوازن الاجتماعي إلى وسيلة لإعادة توزيع غير عادل للمال العام. فبدل أن يوجه الدعم للفئات النشيطة أو المهنية التي تعتمد فعلياً على المحروقات في أنشطتها اليومية، يتم تبديد جزء منه على حالات وهمية أو غير مستحقة، مما يضعف أثره ويقلل من فعاليته في استقرار السوق.
وأمام هذه الإشكالات، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا يتم توجيه الدعم بشكل مباشر إلى أسعار المحروقات نفسها، سواء البنزين أو الغازوال؟ إن اعتماد هذا الخيار من شأنه أن يساهم في تخفيف الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين بشكل عام، ويضمن نوعاً من الاستقرار في أسعار مختلف السلع والخدمات، نظراً للعلاقة الوثيقة بين كلفة الطاقة وباقي مكونات الاقتصاد.
إن دعم المحروقات بشكل مباشر قد يحد من مظاهر التحايل، ويجعل العملية أكثر شفافية ونجاعة، كما أنه سيساهم في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية، حيث يستفيد الجميع بشكل متساوٍ، بدل ترك المجال لاختلالات في التوزيع.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، يحتاج إلى دراسة دقيقة تأخذ بعين الاعتبار التوازنات المالية للدولة، وكلفة الدعم المباشر على الميزانية العامة، إضافة إلى ضرورة وضع آليات رقابة صارمة لتفادي أي آثار جانبية غير مرغوب فيها.
في المحصلة، يظل إصلاح نظام دعم المحروقات بالمغرب ضرورة ملحة، تفرضها التحولات الدولية من جهة، والاختلالات الداخلية من جهة أخرى. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن المغربي في حاجة إلى سياسات عمومية أكثر عدلاً وشفافية، قادرة على حمايته من تقلبات السوق، وضمان استقرار معيشته في عالم تتزايد فيه الأزمات يوماً بعد يوم.