ميزان الكرم المقلوب!

0 150

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ليست الهدايا مجرد أشياء تنتقل من يد إلى أخرى، وإنما هي لغة ٱجتماعية صامتة، تكشف ما نعجز أحيانا عن قوله بالكلمات.
إنها مرآة تعكس ترتيبنا الحقيقي للقيم، وتفضح ما نخفيه خلف عبارات الكرم والمحبة والإحسان.
ولعل أكثر المفارقات إيلاما في مجتمعاتنا أن الأغنياء يتبادلون فيما بينهم أفخم الهدايا وأغلاها، بينما لا يصل إلى الفقراء في كثير من الأحيان سوى ما فقد قيمته عند أصحابه (ملابس مستعملة، وأطعمة فاضت عن الحاجة، وأثاث قرر مالكه ٱستبداله… )، وكأن المجتمع ٱتفق دون إعلان، على أن من يملك الكثير يستحق المزيد، أما من لا يملك شيئا، فيكفيه ما تبقى.
هنا لا يتعلق الأمر بقيمة الهدية، وإنما بقيمة الإنسان نفسه.

فالهدية ليست سعرا، بل رسالة، وحين تكون أفخر الهدايا من نصيب من لا يحتاج إليها، بينما يتحول المحتاج إلى مستودع لبقايا الآخرين، فإن الرسالة التي يتلقاها الفقير ليست أنه محل ٱهتمام، بل أنه آخر من يفكر فيه.
لقد تحولت الهدية، في كثير من الأحيان، من تعبير صادق عن المحبة إلى ٱستثمار ٱجتماعي!
فكم من هدية تقدم لمسؤول ٱنتظارا لخدمة، أو لرجل أعمال طمعا في علاقة، أو لشخص نافذ حفاظا على مصلحة مستقبلية.
لم تعد قيمة الهدية مرتبطة بحجم الحاجة، وإنما بحجم النفوذ الذي يملكه من تهدى إليه.
أما الفقير، فلا يملك سلطة، ولا قرارا، ولا شبكة مصالح، ولذلك لا ينتظر منه كثيرون سوى الدعاء، وكأن الدعاء أقل قيمة من بطاقة شكر أو منفعة متبادلة.

المفارقة الأكثر قسوة أن الفقير لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر مظاهر البذخ، وإنما يبحث عن الإحترام قبل أي شيء آخر.
فهو لا يريد أن يشعر بأن كرامته تبدأ عندما تنتهي صلاحية الأشياء عند الآخرين، لأن الإنسان مهما ٱشتدت حاجته، يبقى محتفظا بحقه في أن يعامل بوصفه إنسانا، لا بوصفه محطة أخيرة لتصريف الفائض.
وليس المقصود من هذا الحديث إدانة من يتبرع بالملابس أو الطعام، فذلك عمل محمود إذا كان نابعا من نية صادقة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا هو الشكل الوحيد لعلاقتنا بالفقراء، بينما نسرف في إكرام من لا تنقصه أسباب الرفاه.
فالإحسان الحقيقي لا يقاس بما ٱستغنينا عنه، بل بما ٱخترنا أن نتنازل عنه رغم حاجتنا إليه أو محبتنا له.

إننا نعيش زمنا أصبحت فيه قيمة الهدية ترتفع بٱرتفاع المكانة الإجتماعية لصاحبها، لا بٱرتفاع حاجته إليها.
فإذا كان المدعو ثريا، تسابق الجميع إلى ٱقتناء أفخم الهدايا، وإذا كان المحتاج فقيرا، ٱكتفى كثيرون بما وجدوه في زوايا بيوتهم.
وهكذا، أصبح المجتمع يكرم الغنى أكثر مما يكرم الحاجة.
ولو قلبنا هذه المعادلة، لٱكتشفنا أن أثمن الهدايا ينبغي أن تكون من نصيب الأطفال المحرومين، والأسر المعوزة، والأرامل، والأيتام، وكل من حرمته الظروف من أبسط مظاهر الفرح.
فهؤلاء لا يحتاجون إلى فائض أموالنا، بقدر ما يحتاجون إلى شعور صادق بأن المجتمع لم ينسهم.

إن الأمم لا تقاس بما تملكه من ثروات، وإنما بالطريقة التي تعامل بها أضعف أفرادها.
فحين يصبح الغني محاطا بالهدايا التي لا تضيف إلى حياته شيئا، بينما ينتظر الفقير بقايا ما يفيض عن الآخرين، فإن الخلل لا يكمن في توزيع الأموال فحسب، بل في توزيع الضمير أيضا.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعا ليس:
– ماذا نهدي؟
بل:
– لمن نهدي؟
– ولماذا؟

فقد تكون الهدية الصغيرة التي تحفظ كرامة محتاج، أعظم عند الله والناس من هدية باهظة الثمن لا تزيد غنيا إلا غنى، ولا تضيف إلى حياته إلا شيئا كان يملكه أصلا.
لذا، فالهدايا ليست هي التي تفضحنا… بل ٱختياراتنا فيمن يستحقها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.