عندما يصبح تجنب الخصم إنجازا… أين ذهبت الروح الرياضية؟

0 928

أثارت ردود الفعل التي أعقبت المباراة بين الجزائر والنمسا موجة واسعة من الجدل، بعدما أظهرت مقاطع متداولة فرحة بعض المشجعين الجزائريين باستقبال منتخبهم الهدف الثالث، ليس لأنه هدف جميل أو نتيجة إيجابية، وإنما لأنه، بحسب ما يتم تداوله، كان سيؤدي إلى مسار مختلف في الأدوار الإقصائية ويجنب المنتخب مواجهة إسبانيا.

هذه المشاهد طرحت سؤالا جوهريا: كيف يمكن لجمهور أن يفرح بهدف يسكن شباك منتخب بلاده؟ وهل أصبح تجنب المنافسين الأقوياء هدفا في حد ذاته، حتى ولو كان الثمن استقبال الأهداف؟

كرة القدم قامت تاريخيا على مبدأ التحدي، لا على الهروب من المواجهات. فالمنتخبات الكبرى بنت أمجادها بمقارعة أقوى المنافسين، وليس بحسابات الخوف أو انتظار نتائج تخدمها. أما إذا أصبح استقبال هدف في مرمى المنتخب مدعاة للاحتفال، فإن ذلك يعكس تحولا في مفهوم المنافسة والروح الرياضية.

واللافت أن الخطاب الجزائري الرسمي والإعلامي ظل لسنوات يندد بما يسميه “المؤامرات” و”الكولسة” و”ترتيب النتائج” كلما تعلق الأمر بمنتخبات أخرى. غير أن قبول الحسابات نفسها، أو حتى الاحتفاء بها عندما يعتقد أنها تصب في مصلحة المنتخب الجزائري، يثير تساؤلات حول معيار ثابت في الحكم على مثل هذه الممارسات.

ويستحضر كثيرون في هذا السياق ما حدث قبل أربعة وأربعين عاما، عندما ارتبط اسم النمسا بإحدى أشهر القضايا المثيرة للجدل في تاريخ كأس العالم، وهي المباراة التي عرفت لاحقا بـ”عار خيخون”، والتي دفعت الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى تغيير نظام توقيت مباريات الجولة الأخيرة من دور المجموعات حتى تلعب في الوقت نفسه، حفاظا على نزاهة المنافسة.

ومن المفارقات أن منتخبا ارتبط في الذاكرة الكروية بتلك الحادثة يصبح اليوم، في نظر بعض المشجعين، وسيلة لتحقيق مصلحة ظرفية أو لتجنب خصم قوي، في وقت كان فيه الخطاب السائد يهاجم مثل هذه الحسابات عندما تصدر عن الآخرين.

إن كرة القدم لا تقاس فقط بنتيجة المباراة، بل أيضا بالقيم التي تعكسها. فالشجاعة الرياضية تعني مواجهة أي منافس، والثقة في القدرات الذاتية، لا البحث عن المسار الأسهل أو الاحتفال بهدف يدخل مرمى فريقك.

وقد تختلف الآراء حول أفضلية مواجهة هذا المنتخب أو ذاك، لكن ما لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان هو أن الروح الرياضية تظل أساس المنافسة. وعندما يصبح استقبال الأهداف سببا للفرح، أو تبرر الحسابات التي كان يستنكر مثلها في السابق، فإن ذلك يفرض مراجعة حقيقية لمنظومة الخطاب الرياضي والأخلاقي، لأن المبادئ تكتسب قيمتها من ثباتها، لا من تغيرها بتغير المصالح.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.