قصة معطف الأستاذ ومنامته( إبداع في زمن الحجر) .

0 800

دخلت غرفتي كالمعتاد، دولب الساعة يشير إلى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، فتحت النافذة لأجوس بنظري خلال الشارع، كان الشارع مكتظا بالفراغ، وحدها الكلاب تعبث بالقمامة، وبين الحين والحين تعوي غير مبالية بالظلام الذي يملأ الفضاء، هذا الفضاء الهارب منا تلقاء المجهول، غدُه كما يقول الشاعر
قيثارة خرساء..
أغلقت النافذة، ارتميت على السرير، ولأول مرة شعرت بأن جسمي أكبر من السرير، تماما مثل الكون الذي ضاق بنا وقوض حريتنا.. تساءلت مع نفسي:
_ فيمَ ينفع الطول او القصر في هذه الأيام، سؤال عبثي مضمخ بالفراغ..
بعد أن تدثرت بالملاءة، وتوارى جسمي الطويل داخلها، امتدت يدي إلى الجدار، ضغطت على الزر، انطفأ المصباح..
مر من الوقت نصف ساعة وعيناي تتفرسان في الظلام، عبثا أغمضهما، لكنها تتفتحان كوردة ربيعية ذابلة…
فجأة سمعت صوتا يشبه هذيان النائم، خِلته في البداية صوتا للجيران، لكن الصوت أتحسسه قريبا مني، ولكن غرفتي لا يوجد بها غيري… تعوذت بالله من شر غاسق إذا وقب، لكن الصوت الزائر أضحى أكثر وضوحا هذه المرة، لم يكن صوتا واحدا، بل هي أصوات كثيرة تدير بينها الكلام.
قال الصوت الخشن: عشنا حتى تسيّد أمامنا السفهاء
رد الصوت الناعم الرخو: ماذا تقصد يا صديقي

  • ألا ترى تلك المنامة الحقيرة، التي كانت لا تغادر غرفة النوم، كيف فضلها هذا المجنون عنا، أتذكر بأننا لم نغادر هذه الرفوف لأسبوعين….
  • صحيح يا صديقي المعطف، لقد نسي اللئيم، من جعل الفتيات يقعن في أسره، وجعله شخصية لامعة في الاجتماعات، واليوم تنكر لكل جميل، ولم يكلف نفسه حتى أن يتفقد حالنا وينفض عنا الغبار…
    وبينما أنا حائر، خائف من الذي أسمع… أحسست بشيء يخزني في جسدي.. ثم سمعت ضحكات ساخرة تحيط بي من كل جانب.. فهمت بعدها ان المنامة التي ارتديها ليلا ونهارا تستعد لتقول شيئا…
    قالت: أيها المعطف الجميل، وأيتها البدلة الأنيقة، رغم أني سمعت ما يضِيرني منكما، إلا أني لا أنكر حسن جواركما، وتواضعكما، ولكن الأيام دول، والدهر بالناس قلب، لهذا أنبهكما إلى أن سيدي ليس لئيما ولا مجنونا، ولكنه فضل الا يرتديكما خوفا على حياتكما من مرض كورونا..
    قالت البدلة والمعطف بعد أن سمعا كلام المنامة: وما الدليل على قولك هذا؟
    أجابت المنامة بهدوء: ألا ترون، أن البدلة الرياضية، وحدها المسكينة محرومة حتى من دخول البيت، يرتديها سيدي، حينما يريد أن يخرج لقضاء أمر ضروري، ويخلعها حينما يعود، فيتركها ممنشورة على حبل الغسيل، تقاسي حر الشمس وبرد الليل، احترازا بألا تنقل إليكما العدوى…
    لما سمعت كلام المنامة، قلت من دون تفكير:
    شكرا شكرا يا منامة…
    لكني لم أستقبل جوابا، فقد تلاشت الأصوات في العدم، ومن ذلك الحين، أصبحت ارتدي المعطف والبدلة من وقت إلى وقت ولو داخل البيت…
    عبد الواحد البرجي
قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.