جيل اليوم: وعي جديد بين إرث الماضي ومهمة الإصلاح بقلم ذ .مريم العمايري
أصبح شباب اليوم أكثر وعيًا بالجانب النفسي والعاطفي للإنسان، مما جعلهم في نظر الأجيال السابقة جيلًا مدللًا، مبالغًا في حساسياته ومتطلباته اليومية. غير أن ما لم يُدركه أولئك، هو أن هذا الجيل قد شعر بمسؤوليته تجاه جيل المستقبل، وقرر أن يكون الحلقة التي تغيّر مجرى التاريخ، وتوقف المعضلة عندها، فلا تورّثها لمن يأتي بعدها.
لقد أسقط شباب اليوم الخرافات والأساطير، ودحضوها بالحجة والبيان، وانتقدوا التقاليد الخاوية وتحرروا منها، وأزاحوا مفهوم التقديس والتنزيه عن الخطأ عن كل من حاول أن يتصف أو يوهم الناس بالكمال. أصبحوا يتساءلون بدل أن يستقبلوا، ويشكّون بدل أن يسلّموا، وينتقدون بدل أن يصفقوا.
إنه جيل يرفض أن يكون مجرد متلقٍ سلبي لأفكار وقناعات من سبقوه، لمجرد ادعائهم التجربة أو أسبقية العمر.
هذا التحول في الوعي والمواقف لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تراكم الخبرات والتجارب والتعلّم من أخطاء الماضي. شباب اليوم يدركون أهمية التعليم والتثقيف والبحث، ويسعون جاهدين لإحداث التغيير الإيجابي في مجتمعاتهم. إنهم يمثلون الأمل في مستقبلٍ أفضل، وجيلٍ أكثر استقرارًا نفسيًا وتعافيًا عاطفيًا.
هذا الوعي المتجدد هو أيضًا نتيجة لانفتاحهم على مختلف التوجهات والمرجعيات الفكرية، دون انغلاق على خطابٍ واحد، مما وسّع آفاقهم وكسر حواجز الخوف من الآخر المختلف. فهم لا يكتفون بسماع صوت واحد، بل يبحثون في شتى المصادر ليبنوا قناعاتهم على فهمٍ راسخٍ ومتزن.
وقد قادهم هذا الانفتاح بالضرورة إلى تبنّي نهجٍ لا طائفي، وإلى نبذٍ قاطعٍ لمظاهر التشدد والتكفير التي مزّقت المجتمعات وأزهقت الأرواح. إيمانهم الراسخ بأن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة العداء، جعلهم يسعون لبناء جسور التواصل بدل إشعال فتيل الصراع.
كما أدرك هذا الجيل أن معالجة المشكلات لا تكون بمواجهة الأعراض أو الاكتفاء بالتحسر على النتائج، بل بالغوص إلى جذور الأزمات. إنهم يرفضون منطق “الترقيع” المؤقت، ويسعون لتشخيص الداء من مصدره، سواء أكان اجتماعيًا أم فكريًا أم نفسيًا، ليعالجوه معالجةً حقيقية تُحدث قطيعةً مع دورة الألم المستمرة.
وفي رحلتهم هذه، أولى الشباب الجانب النفسي والعاطفي أهميةً بالغة. فلم يعودوا ينظرون إلى المشاعر كترفٍ أو ضعفٍ، بل كحاجةٍ أساسية تمنح الإنسان توازنه وسلامه الداخلي. سعوا إلى فهم ذواتهم، وتفكيك جراحهم الماضية، والعمل على تحقيق الإشباع العاطفي الذي يمكنهم من العطاء بثبات وصدق.
وفي علاقتهم بذويهم، يسعى شباب اليوم إلى تحقيق رضا الوالدين دون أن يسمحوا بتحويل هذا الرضا إلى قيدٍ على حريتهم أو تدخّلٍ في حياتهم الخاصة. إنهم يبحثون عن توازنٍ صعب لكنه ممكن: أن يجمعوا بين الحب والاحترام من جهة، والاستقلالية والاختيار الحر من جهةٍ أخرى.
وهكذا يمضي جيل اليوم حاملًا همَّ التغيير، لكن بتوازنٍ نادر. إنه جيلٌ لا يريد أن يقطع صلته بالماضي، بل أن يُصلح ما أفسده الزمن، ويبني مستقبلًا لا يكرر أخطاء الأمس؛ مستقبلًا يكون فيه الإنسان — بعقله وقلبه — هو الغاية والوسيلة.