بين شرعية القانون وتعنت التسيير: هل أصبحت رياضة الكيك بوكسينغ رهينة القرارات الفردية؟

0 505

لم يعد الجدل الدائر داخل الجامعة الملكية للكيك بوكسينغ مجرد اختلاف في وجهات النظر أو تباين في أساليب التدبير، بل تحول إلى أزمة حقيقية تعكس صراعًا بين منطق احترام القانون ومنطق فرض الأمر الواقع. أزمة تتجاوز الأشخاص لتطرح سؤالًا عميقًا حول مصير التسيير الرياضي بالمغرب: هل ما زال القانون هو الفيصل، أم أن بعض الممارسات الفردية أصبحت تتحكم في دواليب المؤسسات؟
منذ إعادة تشكيل المكتب الجامعي، والتي لم يمض عليها سوى ثلاثة أشهر تقريبًا، بدأت بوادر التوتر تظهر بشكل متسارع. استقالات وازنة هزّت تركيبة المكتب، شملت الكاتب العام وأمين المال ونائبه، تلتها سلسلة من الاستقالات داخل المكتب التنفيذي، وهو ما يُفقد، وفق القواعد التنظيمية والقانونية، المكتب شرعيته ومشروعيته في حال بلوغ نسبة الثلثين. ومع ذلك، استمرت رئاسة الجامعة في نهجها دون اعتبار لهذا المعطى القانوني، ما عمّق من حالة الاحتقان داخل الساحة الرياضية.
في خضم هذا الوضع، برز موقف عصبة جهة مراكش آسفي كصوت يدافع عن احترام المساطر القانونية، حيث أعلنت رفضها الانخراط في صراعات داخلية لا تخدم مصلحة الرياضة، وتمسكت في الوقت ذاته بموقفها الرافض لكل القرارات التي لا تستند إلى الشرعية القانونية. هذا الموقف لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لنهج اعتمدته العصبة لسنوات، قائم على احترام القوانين المنظمة، مع الحفاظ على استقلاليتها والدفاع عن حقوق مكوناتها من جمعيات وأبطال.
ما يزيد من تعقيد الوضع هو طريقة اتخاذ القرارات داخل الجامعة، حيث تم تسجيل غياب واضح للوثائق الرسمية، واعتماد أساليب شفهية أو عبر اتصالات هاتفية، في تجاوز صريح لقواعد الحكامة الجيدة التي تفرض توثيق القرارات وتوقيعها داخل الأطر المؤسساتية. كما أن تغييب دور المكتب والتصويت، وتهميش اللجان والعصب، يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة التدبير المعتمد.
ومن بين أبرز النقاط التي أثارت الجدل، اعتماد برنامج سنوي للأنشطة تضمن تغييرات مثيرة، من بينها تغيير شعار الجامعة والتركيز على مشروع أكاديمية بتاحناوت، والذي تبين، وفق معطيات محلية، أنه لا يرتبط بشكل قانوني بالجامعة، بل يندرج في إطار أنشطة اجتماعية موجهة لفئة الأيتام. وهو ما اعتبرته عدة أطراف خلطًا غير مقبول بين العمل الجمعوي والعمل المؤسساتي الرياضي.
ردود الفعل لم تتأخر، حيث عبّر عدد من الممارسين عن رفضهم عبر مختلف المنصات، كما رفضت عدة عصب الانخراط في برنامج بات، في نظرها، فاقدًا للمشروعية بعد الاستقالات المتتالية. وفي المقابل، حاولت بعض الأصوات التقليل من هذا الرفض واعتباره مجرد حنين للمكتب السابق، غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع أن نفس هذه العصب كانت من بين الداعمين للتغيير وساهمت في إنجاح الجمع العام الذي أفرز المكتب الحالي.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في صراع أشخاص، بل هو اختبار حقيقي لمدى احترام القانون الإطار 30.09 المنظم للرياضة، ولمبادئ الحكامة التي تقوم على الشفافية، المسؤولية، وربط القرار بالمؤسسات لا بالأفراد. فالتسيير الرياضي لا يمكن أن يُبنى على قرارات فردية أو علاقات شخصية، بل على قواعد واضحة تضمن التوازن بين مختلف المتدخلين: الجامعة، العصب، والجمعيات.
ورغم كل هذه التطورات، اختارت عصبة جهة مراكش آسفي نهج التريث، حيث لم تلجأ إلى التصعيد، بل فضّلت انتظار تدخل الوزارة الوصية لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني. كما عقدت لقاءً تواصليًا مع الجمعيات المنضوية تحت لوائها، عبّرت خلاله هذه الأخيرة عن ثقتها في قيادة العصبة، وتشبثها برئيسها السيد محمد صيلان، مؤكدة وحدة الصف في الدفاع عن المسار القانوني.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح: هل نحن أمام منظومة رياضية تحكمها القوانين والمؤسسات، أم أمام واقع يسمح بتغول بعض المسؤولين وفرض قرارات خارج إطار الشرعية؟
إن الجواب عن هذا السؤال لا يهم فقط ممارسي الكيك بوكسينغ، بل يعكس صورة أوسع عن مدى ترسيخ دولة القانون داخل المجال الرياضي المغربي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.