اجتاحت حركات الإسلام السياسي كل البلاد العربية والإسلامية , واخترقت أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وان اتخذت أشكالا ومستويات مختلفة سياسية واجتماعية ونفسية , من حيث مدى عقلانيتها واستنارتها , أو مدى جموديتها وأصوليتها ,أو من حيث موقفها من طبيعة السلطة ومن طبيعة التنمية الاجتماعية السائدة . لذا استعارت لنفسها أسماء وعناوين و أوصاف مختلفة من قبيل : الاتجاه الأصولي – حركة الأحياء الإسلامية – حركات الإصلاح الديني – السلفية الأصولية – السلفية الجهادية – الإخوان المسلمون – حركة الجهاد الإسلامي… كثيرة هي الحركات السياسية الدينية وكثيرة هي المصطلحات التي أطلقت ولا تزال تطلق على هذه الحركات التي ظهرت
في العشرينيات من القرن الماضي وقبلها بقليل ثم بعدها بقليل ,وهي حركات واتجاهات تؤكد كلها عن دور الإسلام وأهميته في التوجيه الروحي والعقلي للإنسان , شعارها –”الإسلام هو ألحل لكن تعدد هذه المصطلحات يؤكد وجود اضطراب في تحديد الحقول المعرفية والتاريخية لضبط هذه الحركات التي لا يجمعها إلا الإشادة بدور الإسلام في المجال الروحي والعقلي والحضاري والاجتماعي لكنها تختلف في أدوات التحليل والتفسير وتختلف في حدود استعمال العقل والنقل , وتختلف في مستوى الاتصال والانفصال عن الواقع التاريخي , وتختلف من زاوية النظر إلى الغرب – الأخر أو الحوار معه , كما تختلف فيما بينها حول أولوية استخدام الجهاد أو الاجتهاد أو الإجهاد النفسي , لكن اكبر خلاف واشد اختلاف بين هذه الحركات هي طبيعة العلاقة بينها وبين السلطة أو الدور السياسي للإسلام.
ولتصنيف هذه الحركات حسب جهادها واجتهادها وإجهادها للذات اوحسب قربها وبعدها من العصر ومن التقدم يقسم المفكر الإسلامي محمد عمارة هذه الحركات إلى أربع مجموعات :
المجموعة ألأولى النصوصيون وهم الذين لا يرون ابعد من ظاهر النصوص وحرفيتها , ويتعاملون مع التراث النصي بالقدسية التي يتعاملون بها مع الوحي الإلهي المنزل والسنة النبوية الثابتة , يرون في النص القديم حجة على الواقع الحديث و يرون الواقع الحديث جامدا عاقرا عقيما لا يمكنه بلوغ المجد القديم لكن يمكنه استرجاع واستذكار التراث النصي حتى يتماهى الجديد بالقديم.فلا خلاص بعد ذلك من الأوضاع إلا بإحياء صور الماضي وتمثله واستلهامه.
هؤلاء النصوصيون في رأي الدكتور محمد عمارة غرباء عن الواقع وعن العصر , يعيشون الماضي أكثر ما يعيشون الحاضر و يهملون نعمة العقل ويكدون في ترديد نصوص التراث .فهم أنصار التراث وعباد
النصوص يقلبونها ويعيدون قراءتها باليات التفكير التراثي وكأنهم تراثيون أكثر من التراث .
يقول الدكتور محمد عابد الجابري أن السلفي النصي يقر بان العرب والمسلمين لن ينهضوا إلا بمثل ما نهضوا بالأمس فهم يفكرون داخل منظومة مغلقة هي تلك التي يقدمها له النموذج الحضاري العربي الإسلامي في القرون الوسطى والتي تشكل إطاره المرجعي الوحيد .
المجموعة الثانية :ـ المغالون والمتشددون الذين يرفعون شعارات من قبيل الجاهلية والتكفير وحكموا بهما على الأمة الإسلامية أو على دولها ونظمها ومجتمعاتها .فسيد قطب في كتاباته وكتبه وخاصة كتاب (معالم في الطريق) يرى أن العالم كله يعيش في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام آو اظلم لذا فالمهمة الأولى في رأي سيد قطب هي (أن نغير أنفسنا لنغير المجتمع الجاهلي من أساسه) لهذا يعتبر الدكتور محمد عابد الجابري سيد قطب (حفيد السلفية المنتكس إلى الوراء).
وفسر الأستاذ محمد عمارة الأسس الفكرية لهذه المجموعة بأنه يمثل ردة الفعل المغالي والغاضب على تيار التغريب , كما أكد أنها عاجزة عن تقديم البديل العملي للنموذج الغربي فتراهم يطالبون بإقامة نظام إسلامي – هكذا – لإنقاذ العالم من جاهليته , ويرفعون شعار التكفير والهجرة و المخالفون لهم في الرأي ملحدون وجميع الدول والأنظمة الحالية كافرة لأنها لا تطبق شرع الله وينبغي على كل المؤمنين أن يوحدوا صفوفهم ويقضوا على الكفر عن طريق الجهاد أو الحرب المقدسة فانبثقت حركات إسلامية متشددة كجماعة “التكفير والهجرة ” وتعرف “بحركة الجهاد”أو”جماعة السلفية والقتال ” أو ” السلفية الجهادية”وهي جماعات تكفر المجتمع القائم وتدعو إلى الهجرة بعيدا عنه لتتحول الأصولية عند هؤلاء إلى”نحلة ” أو ” فرقة ” أعضاؤها لا يتزوجون إلا من داخل الجماعة ولا يعترفون بوجود مسلمين إلا في
جماعتهم وكل من عداهم يعتبرون كفارا ويرفضون أي حوار بينهم وبين النظام السياسي القائم كما يحظرون على أبنائهم دخول المدارس الحكومية , وهدفهم هو تدمير الدولة وتدبير خطط ووسائل العنف والسخط على المجتمع الاستهلاكي الذي لا يقوم على أسس أخلاقية مع البحث عن حياة بديلة .
المجموعة الثالثة :ـ هي الحركات الإسلامية الكبرى التي يرى فيها الداعية محمد عمارة أن اغلبها حركات إسلامية معتدلة تقترب في اغلب مواقفها من موقع الوسطية الإسلامية التي تمثل لهم الإسلام وحقيقته الجوهرية ,فهي تدعوا إلى الحوار مع الأخر ومع الغرب وتبدو أكثر توغلا في الواقع لتستمع لنبض الناس وتقرا الواقع المتجدد وتتابع المياه التي تجرف الطبقة السطحية الأرضية للمجتمع وتساير التحولات لكن باقتصاد شديد وحيطة كبيرة , و هناك عوائق ذاتية وأخرى فكرية وتنظيمية تعيق هذه التيارات من أن تواصل اعتدالها وتوسطيتها حيث أن الالتزام التنظيمي والحزبي لهذه الحركات الإسلامية يعيقها دون توفر المرونة اللازمة ومن أشهر تلك الحركات : جماعة الإخوان المسلمين في مصر التي نشأت في أواخر العشرينات من القرن الماضي وتحولت في خلال الأربعينات إلى حركة جماهيرية واسعة ثم دخلت في صراع دموي مثير ومرير مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي ضربها بقوة وسجن أعضاءها وقيادييها … ثم عادت لها حيويتها ونشاطها بعد ذالك فعادت واصطدمت من جديد مع النظام العسكري الحاكم في مصر فيعتقل قياديوها و”أمرائها”ورجال دينها على اثر الانقلاب العسكري على رئيسها , وان كانت ما تزال تصارع في جبهات كثيرة طلابية وعمالية وحقوقية… رغم الحظر,
ولقد انتشرت هذه الشاكلة من الحركات الإسلامية في بلدان أخرى مثل (سوريا)و (الأردن)و(الكويت) و(اليمن)و(فلسطين)…..
المجموعة الرابعة:ـ هو تيار الاجتهاد والتجديد لحضارة الإسلام , وهو تيار متنور حامل لمشروع التجديد يدعو للحوار مع الآخر وبين الأديان ويتجاوب مع عناصر التقدم والاندماج في الثورة الاجتماعية الكونية وهذا التيار هو أكثر الفصائل الإسلامية قدرة وصلاحية لتحقيق الصحوة الإسلامية المنشودة ويمثلها ثلة من المفكرين الإسلاميين المتنورين من أمثال : محمد عبده – رشيد رضا – حسن العطار – ابن بأديس- علال الفاسي – خير الدين التونسي وتابعيهم ومقلديهم من أمثال محمود احمد طه- محمد عمارة – احمد خلف الله – حسن حنفي – رشيد الغنوشي ….وغيرهم.
في نفس التصنيف سار الكاتب المقتدر محمود أمين العالم الذي قدم كتابات أو حفريات في مجال الدراسات حول الإسلام السياسي فنظر من جهته إلى هذه الحركات الدينية كشكل من أشكال الممارسات الدينية فصنفها إلى ثلاثة أشكال :
الشكل الأول : هو الشكل الذي تدعم فيه الممارسة الدينية السلطة السياسية السائدة بإعطائها المصداقية والمشروعية الروحية و الأخلاقية وتبرير ممارساتها و إعادة إنتاج إيديولوجياتها مستندة في ذلك إلى التأويل الخاص للنصوص الدينية تارة أو التمسك الحرفي بها تارة أخرى.
الشكل الثاني :هو المعبر عن الشعور بالعزاء عن الشقاء الأرضي الدنيوي تطلعا وأملا في السعادة الأخروية مع ما يتضمنه هذا من رضوخ للأوضاع السائدة مهما كانت ظالمة ومستبدة , وهذا الشكل هو امتداد موضوعي للشكل الأول رغم ما قد يتضمنه من رفض معنوي سلبي للأوضاع السائدة .
الشكل الثالث للممارسة الدينية : هو الشكل الثوري الذي يتمرد على الأوضاع الظالمة المستبدة ويسعى إلى تغييرها في ضوء تأويل خاص للنصوص .
إن كل هذه التيارات الدينية ,هي تيارات سياسية تتخذ من الدين فكرا محددا تستمد من خلاله رؤيتها السياسية وتنطلق إلى إطار الفعل السياسي والجماهيري فبرزت بشكل فاعل ومؤثر في الشارع ثم تغلغلت في دواليب الحياة الخاصة للإنسان فغيرت من نظرته للحياة الاجتماعية والسياسية و الأخلاقية .ومع بروز هذه التيارات الدينية وزيادة تأثيرها تمايزت تلك التيارات إلى تيار عنيف ومتشدد وآخر تيار مسالم ومعتدل . وقد لعبت عوامل عدة في بروز تلك التيارات وشكلت خصوصية محددة لكل تيار على حدة وطريقة تأثيره وتفاعله مع الإحداث , فما هي العوامل التي ساهمت في إيجاد المناخ الملائم لبروزها و ظهورها.
سياق ظهور الجماعات الدينية
يذهب العديد من المحللين والكتاب في تفسيرهم للظاهرة الإسلامية عموما , إلى القول بان فشل البرامج الاقتصادية والاجتماعية وسياسيات الحكومات العربية التحديثية , وكذالك فشل أطروحات اليسار العربي وحركات التحرر الوطني… من الأسباب الرئيسية فيما يسمى بالصحوة الإسلامية وتزايد عدد الحركات والجماعات الإسلامية في العالمين والعربي والإسلامي . ومن جملة الأسباب الأخرى الرئيسية لظهور هذه الجماعات :
1- هزيمة1967: وما خلفته من آثار نفسية مدمرة حولت الإنسان العربي ” الشهم ” إلى كائن ميؤوس ومهزوم داخليا وكشفت الهزيمة عن مواطن ضعف كبيرة في نظام الحكم العربي ,فلا النهج الاشتراكي في مصر وسوريا حققا طموحات الإنسان
والمجتمع ,ولا الدولة الوطنية دافعت عن كرامة مواطنيها وأمنت حقوق شعوبها وحدود جغرافيتها ,فضاعت الأحلام وتبخرت الآمال ولم يبقى سوى العودة إلى الإسلام .
كانت هزيمة 1967 طعنة قاضية لآمال الشعوب العربية الإسلامية ونكسة قوية لنخبها ومثقفيها , بل زعزعت إيمانهم بالحق والعدل خصوصا حين استكملت الهزيمة باندحار المؤسسة العسكرية العربية في حروبها مع العدو الإسرائيلي واقتطعت أراضي عربية بالقوة من مصر وسوريا والأردن وفلسطين , فكان ذلك أشبه بجرعة سم سرت في الدم العربي ونشرت فيه جراثيم الشك واليأس والاستسلام فسادت السوداوية في كتابات الأدباء والمفكرين والسياسيين , وهيمنت نفحة من الرومانسية على فنونهم وآدابهم مستكينين لليأس و الإحباط مرتدين إلى عصور الظلام و الظلامية وكانت الورقة التي يلوح بها لإعادة إحياء الأمة وإعادة بناء الذات و إرجاع الثقة للنفوس هو (الإسلام) في إطار ما يسمى بصراع الحضارات . حتى في الغرب كانت مثل هذه الكتابات هي السائدة وخصوصا كتابات (هنتنجتون) الذي نظر لنظرية صراع الحضارات , فاعتقد أن الحرب القادمة إذا قامت فستكون حربا بين الحضارات , وسيكون العدو الأول للغرب في مثل هذا الصدام الحضاري هو( الإسلام).
2- الانفتاح الاقتصادي وفتح الأسواق العربية والإسلامية أمام الشركات والسلع الغربية مما حول هذه المجتمعات إلى أنماط اجتماعية
مستهلكة ،تستهلك البضاعة الغربية وتستهلك معها قيما مستوردة غريبة عن الحياة المألوفة , فيها تقليد أعمى للمجتمعات الغربية في المأكل والملبس والتصرفات….فوقع انشطار, وحصلت شقوق في الغشاء الأخلاقي للمجتمع العربي الإسلامي المحافظ مما ترتب عنه ردود فعل متباينة وأثار اجتماعية بالغة الخطورة ولدت حالة من الاغتراب و الإحباط , ومن تم نما الإحساس بمقاومة هذه الظاهرة الخارجية (التسيب الأخلاقي والاجتماعي )بظاهرة خارجية أخرى هي (التشدد الديني والدعوة لدولة إسلامية).
كان الانفتاح الاقتصادي والاندماج في الدورة الرأسمالية العالمية من موقع التخلف والفقر والضعف هو العلامة الأولى لبداية تغيير اجتماعي واسع لمصلحة الإثراء الطفيلي والإقطاعي والنمط الاستهلاكي بالاعتماد على التجارة الربوية, والاحتكار, والتهريب, الرشوة,والاختلاس ..وهي كلها أمور ساهمت في بروز نظام جديد للقيم عنوانه الفساد والإفساد ونهب الثروات الوطنية ,,وفي ظل هذا الاستفزاز الاجتماعي الصارخ من جانب الشرائح المستفيدة كان الاتجاه المتزايد نحو الدين أولا تم الإسلام السياسي ثانيا امرأ طبيعيا.
وهنا لابد أن نتذكر أن النشأة الأولى لجماعات الإسلام السياسي الحديثة (الإخوان المسلمين )كانت في عام 1928 حين اشتدت أزمة النظام الرأسمالي الاقتصادية .
3-استخدام الدولة الدين كسلاح من اجل تبرير شرعية مؤسساتها وضرب القوى السياسية المناوئة (المعارضة اليسارية والثورية) فكرست توظيف رجال الدين في خدمة الحكم بإضفاء الشرعية الدينية على أحكامه ونظامه وجعل المؤسسة الرسمية للدين كأي مؤسسة تابعة للدولة فكان من شان ذلك إقصاء فكر الإصلاح الديني عن مسرح الحياة الاجتماعية والسياسية مع دفع القاعدة الجماهيرية العريضة إلى رحاب الإيديولوجيات الدينية الشعبية كالطرق الصوفية وغيرها .كما اتجهت بعض الأنظمة العربية الأخرى في مطلع السبعينات إلى تشجيع بعض التيارات الدينية المتطرفة لضرب التيارات الوطنية والاشتراكية حيث كان اليسار آنذاك قد استعاد قوامه النضالي وتواجد بشكل ملحوظ في الجامعات والمعامل وفي القطاعات الوظيفية العمومية( التعليم) وبعد استشعار هذه الأنظمة بضرورة إيجاد قوة ضاغطة ومنافسة لليسار كانت الجماعات الدينية المتعاونة مع السلطة تجد منها الدعم والحماية.
4- اختفاء القيم العامة, فبعد مرحلة الاستقلال السياسي تفرقت السبل وتعددت الإيديولوجيات المعتمدة بين من اختار الليبرالية المتوحشة المستغلة للثروات الوطنية ومن اختار شعار الاشتراكية فكمم الأفواه والبطون ومنهم من اختار العسكرانية الديكتاتورية وفي جهة أخرى من المشرق العربي هناك من اختار الإقطاعية البدوية المتلونة بلون الرأسمالية الهجينة مما جعل الناس يتشربون من منابع غير منابعهم فأصبح الشباب غير قادر على الانتماء لقيم لا تنبع من واقعه المتأصل وزادت الأمور تفاقما بعد سلسلة الهزائم العسكرية مع الكيان الصهيوني فبحث الشباب عن متنفس بديل في مواجهة هذا الواقع
وسرعان ما اختار الدين كملجأ ومتنفس من كل هذه الكر بات و الأزمات .
5- قيام الثورة الإيرانية وقبلها قيام الدولة الوهابية حيث كانا عاملين أساسين ومؤثرين ,هكذا – مثلا – أعطت الثورة الإيرانية نفسا جديدا ودفعة قوية للإسلام السياسي فتزايد أعداد الشباب المتحمس للثورة ألإسلامية ولم يقف هذا التأثير على تزايد عدد المنخرطين في الجماعات الإسلامية , بل تعداه إلى الخطاب الإيديولوجي حيث بدأت شعارات ومصطلحات الثورة تجد مكانها في خطابات و انتاجات حركات الإسلام السياسي .
المنطلقات الفكرية للجماعات الدينية
*فكرة الحاكمية :
أي الحكم بما انزل الله ورفض القوانين الوضعية وتحريم العمل في مؤسسات الدولة أو التقاضي أمام المحاكم وإنكار حق الجماعة في التشريع .فالحاكمية العليا لله وحده الذي هو “مصدر ألسلطات لا الشعب ولا الحزب ولا الحاكم وبذلك يتحرر الإنسان تحررا كاملا من العبودية للبشر. (كتاب معالم في الطريق – سيد قطب) وخلص سيد قطب إلى أن مناهج البشر كلها قاصرة وعاجزة ولا يستطيع البشر شيئا سوى إقامة مملكة ألله فالبشر لا يملكون التشريع وإنما يملكون التنفيذ فحسب وبناء عليه فالإنسان لا يملك الحق في أن (يشرع لحياة البشر نظاما يتحقق فيه التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون , ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة) كتاب معالم في الطريق ص : 100
ولا نحتاج في خطاب سيد قطب للبحث عن مصدر مفهومه للحاكمية فأبو الأعلى المودودي حاضر فيه بشكل لا يحتاج للإثبات ومن المصدرين معا يتلقى خطاب الجماعات الإسلامية وليس من الخوارج وغيرهم .
لقد جرت هذه الفكرة(الحاكمية), وهذا التقليل من شان البشر ومن عقله انتقادات حادة من قبل الكتاب والمفكرين والفلاسفة بل وحتى من داخل الحركات الإسلامية ذاتها كما هو شان موقف الدكتور محمد عمارة الذي رأى أن الحاكمية لا يجوز أن تعني تجريد الإنسان من السلطة والحكم في ميدان خلافته ونيابته عن الله في سياسة الدولة وتنظيم المجتمع وتنمية العمران .
أما الدكتور رضوان السيد فيرى أن نظرية الحاكمية بدأت انتقاما فكريا من عبد الناصر ونظامه ,ويفسر ذلك بقوله أن تجربة السجن والتعذيب القاسي وانعدام الأمل وانتظار المذبحة في كل لحظة مثلت الظروف التي فرضت على سيد قطب هذه النظرية .
*فكرة الجاهلية:
فكرة الجاهلية تعد فكرة مركزية في كتب منظري الحركات الإسلامية المتشددة ففي هذا السياق يتجاهل سيد قطب تنوع المجتمعات البشرية أو التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية التي مرت ولا تزال عبر التاريخ مكتفيا بالإقرار بوجود مجتمعين لا أكثر وهما المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي . ومعنى ذلك أن المعيار الذي يعتمده في التمييز بين المجتمعات – على تنوعها الشديد – هو المعيار الديني الإسلامي فحسب , وبالتالي فكل المجتمعات القائمة اليوم هي في نظر سيد قطب وأمثاله مجتمعات جاهلية و تدخل فيها المجتمعات (الشيوعية) والمجتمعات (الرأسمالية) و(الوثنية) و(اليهودية) و(النصرانية) بل
وحتى المجتمعات التي تزعم أنها مسلمه والخلاص هو ان العالم كله في رأيه يعيش اليوم في جاهلية , كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو اظلم (كتاب معالم في الطريق)
إن الجاهلية ليست ” فترة من الزمان إنما هي حالة من الحالات تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء )- المرجع السابق ص 167
وعليه لابد من إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان لإنسان و على “الجماعة ألمسلمة أن تعمل على تغيير هذا المجتمع …أي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه –المرجع السابق ص 19
لكن كيف السبيل إلى ذالك ؟ بواسطة الجهاد.
يغدو الجهاد في نظر سيد قطب ضد “الحاكم”فرض عين “هدفه تنفيذ أمر الله بإقامة الدولة المسلمة والشرط الوحيد لاستلام الجماعة المسلمة زمام الأمر هو سقوط السلطة الكافرة )
* فكرة الجهاد
يرى المودودي أن غاية الجهاد في الإسلام هو(هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها , وهذه المهمة ,مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام غير منحصرة في قطر دون قطر بل ما يريده الإسلام ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة .هذه هي غايته العليا ومقصده الأسس الذي يطمح إليه ببصره )المودودي – الجهاد في سبيل الله –ص30
إن الجهاد في نظر دعاة وفقهاء الجماعات الإسلامية ليس مجرد واجب قد يقع عبئه على المسلم في هذا الظرف أو ذاك ….ولكنه فريضة أساسية من فرائض الإسلام شانه شان الفرائض الخمس . ومن ثم فهو الفريضة السادسة ولأنها ليست واردة بهذه القوة في حياة المسلمين الآن فهي الفريضة ألغائبة ومن هنا كان كتيب (الفريضة الغائبة )لمحمد عبد السلام فرج مؤسس تنظيم الجهاد هو دستور هذا التنظيم والأساس الفكري الذي ينطلق منه .
هدف الجهاد الواجب التحقيق والذي يتعين على كل مسلم أن يعمل من اجله هو إقامة نظام اجتماعي سياسي حقيقي قائم على الشريعة الإسلامية أو حكم الله في الأرض (الحاكمية) .
يتبين من خلال هذه المنطلقات الفكرية الواردة في كتاب – معالم في ألطريق أن سيد قطب يفهم الإسلام على نحو خاص , فهو لا يخاطب العقل ولا سيما عقل المسلمين ,على الرغم من أن القرءان والحديث يدعوان إلى إعمال العقل إضافة إلى أن منظر الجماعات الإسلامية المتشددة يحكم على التجربة الإنسانية كلها بالفشل ويزعم أنها تجربة جاهلية من منطلق أن مناهج البشر هزيلة وقاصرة. لذا يدعو إلى إزالة الجاهلية التي تسود العالم بالقوة ويعتبر هذه الدعوة حق ولا بد من تحقيقها .
لقد جر هذا الموقف العنيف لسيد قطب انتقادات وردود قوية حتى من داخل التيارات الإسلامية وخارجها.
مداخل لعلاج التشدد الديني
بعد الإحداث الدامية في مصر منذ حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والحرب الأهلية في الجزائر في ثمانينيات القرن الماضي وعمليات التفجيرات الانتحارية في الأقطار العربية والأوروبية و
ألأمريكية لجأت الحكومات والأنظمة المكتوية بنار هذه الجماعات الدينية إلى أسلوب البطش والتصفية الجسدية – الدموية كما في الجزائر ومصر , ولجأت أخرى إلى الاعتقالات والاختطافات باسم محاربة الإرهاب في حين سنت دول غربية قانون الطرد والتسفير مما زاد من تنامي وتناسل هذه الجماعات فدفعها البطش والاضطهاد إلى السرية والنزول إلى تحت الأرض (الخلايا النائمة) , مما خلق تربة ملائمة لنمو الأفكار المتطرفة والتفسيرات السياسية الشعبوية المتعاملة مع الأوضاع القائمة بنوع من الاطلاقية , والتفسير السطحي للأمور.
وفي بلدان أخرى استنجدت الدول والحكومات بوعاظ ودعاة ورجال دين يتقاسمون معها المواقف الرسمية يروجون لها المادة الإعلامية الدينية الرسمية فأطلقوا القنوات والبرامج الإعلامية الدينية الرسمية على الفضائيات والأثيريات , وزادوا جرعة المادة الدينية الإعلامية , وصاغوا مقررات دينية جديدة في المدارس , وخلقوا شعبا وأسلاكا جامعية , بل كليات وجامعات إسلامية لتكييف المادة الدينية مع التوجهات السياسية والإيديولوجية للدولة , لكن الأوضاع السياسية بقيت كما هي إن لم تزدد سوءا , وبقي القائمون الرسميون على أمر الدين في هذه الدول في واد والجماعات الدينية المتشددة في واد آخر .
ان علاج ظاهرة التطرف لدى هذه الجماعات الدينية يجب أن ينطلق من كونها ظاهرة بنائية وبالتالي يجب أن يكون العلاج متعدد المداخل :
أ-التطبيق السليم للديمقراطية : وذلك بخلق مناخ الحرية للتيارات الفكرية والسياسية والثقافية والدينية المتنافسة , وتكريس ثقافة الحوار والاعتراف بالآخر, واحترام الاختلاف و الرأي و الرأي الآخر , وذلك بالقضاء على كل أساليب القمع السياسي في مجال الممارسة الديمقراطية , وإزالة الخناق والضغط والمنع على الجماعات الدينية
والراديكالية القابلة للتعايش السلمي والحوار , والعمل في ظل المؤسسات الديمقراطية ,
انه يجب فتح الحوار الديني الصريح مع الشباب , مع المواطن العادي ,مع المثقف ,ومع كل معارض , وتهيئة السبل أمام كل الجماعات الدينية فكريا للتعبير عن أرائها وإمكانية مشاركتها في بناء المؤسسات , لان الديمقراطية ليست مجرد أسلوب حياة أو نظام حكم فقط , فهي قبل ذلك كله مؤسسات وتنظيمات مهمتها تنظيم الممارسة السياسية وإتاحة الفرصة للجماهير كي تشارك وتعبر عن أرائها مهما اختلفت وتنوعت . انه لا حل للتطرف بدون حرية الفكر وحماية المفكرين الأحرار.
الديمقراطية هي آلية لزرع قيم التسامح والتعايش السلمي , ووسيلة لجعل أركان المجتمع خالية من العمل السري والانعزالي , وتقوي قيم النبل والخير والتقدم . يقول احد رواد الحركة الإسلامية في تونس (إذا تحقق لنا نظام يعترف بالحريات العامة , ينبغي على الحركة الإسلامية أن تمارس حقها كطرف سياسي معترفة بغيرها من الأطراف السياسية الأخرى …. فتخوض المعارك الانتخابية وتضع مواطن الأقدام لها في البرلمان والمؤسسات البلدية وغيرها وتشارك في الحكم ولو جزئيا لتدريب أفرادها على إدارة المؤسسات وعلى قيادة الجماهير وتعبئتها وتوعيتها ) راشد الغنوشي – (الحركة الإسلامية والتحديث )
ب- العدالة الاجتماعية
لابد أن نتذكر أن نشأة أولى جماعات الإسلام السياسي الحديثة(الإخوان المسلمين)كانت في عام 1928 حين اشتدت أزمة النظام الاقتصادي الرأسمالي (ازمة 1929 ) , وحين كانت التجربة الاشتراكية المولودة تتعرض للأنواء , فسبب ذلك حالة من الإحباط السياسي والاقتصادي
والاجتماعي ,,وبدأت تلوح في الأفق القول بالأخذ بتجربة جديدة هي (الإسلام) كحل للتصدعات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.
انه لابد من إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية التي كرست وتكرس الفوارق الطبقية , وتزيد من وتيرة تفقير الطبقات الاجتماعية الصغرى والمتوسطة , وانه لا يمكن للديمقراطية أن تنجح بدون توفر عدد من الشروط الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من قبيل – توفير العدالة الاجتماعية – تحقيق عدالة توزيع الثروة الوطنية – جعل عدالة التوازن بين الأجر والعمل – القضاء على الاستفزاز الاجتماعي بشتى صوره – ……ومن شان ذالك استبدال الشعور بالانتماء والمواطنة محل الشعور بالاغتراب والإحباط ,
ج-تجديد الفكر الديني :
إن تجديد الفكر الإسلامي وتطوير التصورات الفقهية التطبيقية للإسلام على أساس من السماحة الفقهية والتجاوب مع العصر أصبح أكثر من ضرورة شرعية حتى أن احد الفقهاء السابقين والبعيدين زمنا عن عصرنا هذا (ابن القيم) حمل فقهاء زمانه مسؤولية التقصير في الاجتهاد الفقهي , لأنهم بضيق أفكارهم وقصور علمهم دفعوا الحكام إلى سلوك الاستجداء والاستنجاد بالقوانين الأجنبية … ومن أمثلة ذلك انه في مصر أخذت الدولة في القرن الماضي القانون المدني الفرنسي وفي السودان اخذوا من الانجليز قانون التجارة والعقود , وفي المغرب والجزائر وتونس فرض الفرنسيون قوانينهم في التجارة والعقود والإدارة ..,, وهكذا لم يبقى للفقه مجال تطبيقي في معظم البلاد العربية والإسلامية الا في نطاق الأحوال الشخصية وقليل سواها
– مصطفى احمد الزرقا – الفقه الإسلامي ومدارسه – ص 107
في ميدان الفكر والاجتهاد عرف عصر النهضة حركة تنويرية همت مجال التجديد الديني مع رواد كبار – وكنا آنذك في اعلي القمة – من أمثال جمال الدين الأفغاني الذي دعا إلى تحرير الفكر من إسار التقليد والتقيد السلفي , كما دعا إلى فتح باب الاجتهاد واسعا دون قيد . وسار على دربه تلميذه محمد عبده الذي قال (إن المسلم الحق هو الذي يعتمد على العقل في شؤون الدنيا والدين )و سار على نهجهما رواد آخرون رفعوا شعار التجديد الديني من أمثال : رشيد رضا و علال الفاسي وآخرون.
إلا انه سرعان ما عدنا إلى الخلف فأعيد إغلاق باب الاجتهاد والتجديد الديني و عادت لغة الخشب إلى كتابات وخطب الفقهاء والدعاة وأمراء الهجرة والتكفير ( تكفير الحاكم – هجرة المجتمع – مجتمعات جاهلية – الدعوة للعنف ,,,,,,)
لهذا يجب تكرار فتح باب الاجتهاد واستلزام ممارسته كما فعل معظم فقهاء السلف الصالح ورواد حركة النهضة كما يجب فتح قنوات الاتصال والتواصل بين ميدان الفقه ومجال القانون الوضعي لإزالة الألغام والشكوك والظنون وسوء التقدير , والعداوة والوحشة بين فقهاء الشريعة وفقهاء القانون . ومن شان هذا التواصل أن يغني الفقه ويغني أدواته ووسائله كما من شانه أن يجعل القانون الوضعي أكثر قربا من حاجيات الإنسان الفطرية والسلوكية .
وبخصوص تجديد الفقه الإسلامي وقوانين الحياة يقول الغنوشي (إن الشريعة عندنا ليست قوالب فوقية متعالية جاهزة للتطبيق حيثما اتفق بقدر ما هي جملة من القيم والقواعد والمبادئ العليا المطلوب تفاعلها مع خصوصيات زمننا ) ثم أضاف (أن حركته لا ترى انسب من الديمقراطية ).
إن إغلاق باب الاجتهاد هو في نفس الآن فتح باب الانغلاق والتشدد و الرجعية, ولذا لابد من فتح آفاق الحوار وآفاق الحرية لمختلف العقائد و الأفكار وضمان المشروعية الديمقراطية والعقلانية …, حتى تتفجر الاجتهادات والإبداعات بل وحتى السعادات الإنسانية .
ذ : محمد بادرة
انزكان