م.س : بيان مراكش
تشكل ظاهرة إختفاء الأطفال إحدى القضايا الإجتماعية الأكثر إثارة للقلق في المجتمعات المعاصرة، ليس فقط بسبب ما تنطوي عليه من تهديد مباشر لسلامة الطفولة ، بل أيضا لما تثيره من توترات نفسية وجماعية داخل المجتمع .. فكل حادثة إختفاء ، سواء ثبت لاحقا أنها نتيجة ضياع عابر أو نزاع أسري أو فعل إجرامي ، تتحول بسرعة إلى قضية رأي عام ، تتناقلها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الإجتماعي ، وتتضاعف حولها التأويلات والتكهنات… وفي كثير من الأحيان ، تتجاوز هذه التأويلات حدود المعطيات الموضوعية لتدخل مجال التخمين والإعتقاد، وهو ما يعكس هشاشة البنية المعرفية التي يتلقى من خلالها جزء من الرأي العام الأخبار والمعلومات.
وقد حضر الخطاب التنجيمي في الفضاء العمومي، حيث تحظى بعض الشخصيات التي تقدم نفسها بإعتبارها “منجمة” أو “قارئة للمستقبل” بمتابعة واسعة ومن بين هذه الشخصيات ليلى عبد اللطيف اللبنانية و التي أثارت تصريحاتها الأخيرة حول توقع إرتفاع حالات إختفاء الأطفال تفاعلا ملحوظا على شبكات التواصل الإجتماعي… و اللافت في هذا التفاعل ليس مضمون التوقع بحد ذاته ، بل الطريقة التي تلقاه بها جزء من المتابعين ، إذ جرى التعامل معه وكأنه معطى واقعي أو إنذار علمي يستند إلى معرفة موثوقة ، في حين أنه يندرج في إطار التنجيم الذي يقوم أساسا على التخمين لا على منهجية علمية قابلة للتحقق.
هذه الظاهرة تكشف عن ميل متزايد لدى بعض فئات المجتمع إلى البحث عن تفسيرات جاهزة للوقائع المعقدة ، حتى وإن كانت هذه التفسيرات صادرة عن مصادر غير علمية ، فالتنبؤات التنجيمية حين تستقبل دون تمحيص ، تتحول إلى ما يشبه “طعوم رمزية” يتلقفها صغار العقول بسهولة ، فتنتشر بسرعة في الفضاء الرقمي وتكتسب مع مرور الوقت مظهر الحقيقة… وهنا يتجلى دور ما يمكن تسميته بالإقتصاد العاطفي للمعلومة ، حيث تتغلب الإثارة والقلق والخوف على مقتضيات التحليل الرصين والتثبت من المصادر .
ولا يقتصر الأمر على التنجيم فحسب، بل يتصل كذلك بظاهرة أوسع تتمثل في الإنتشار غير المنضبط للأخبار داخل الفضاء الرقمي ، فقد أصبح من المألوف أن يتداول المواطنون أخبارا أو تصريحات منسوبة إلى مسؤولين عموميين أو مؤسسات رسمية دون أي تحققوا من صحتها ، وغالبا ما تصاغ هذه الأخبار بطريقة توحي بالموثوقية ، من خلال إرفاقها بصور و بأسماء شخصيات عامة أو مؤسسات حكومية ، الأمر الذي يمنحها سلطة رمزية تدفع المتلقي إلى إعادة نشرها دون مساءلة ، وهكذا يتحول المواطن العادي ، في كثير من الأحيان إلى ناقل للمعلومة بدل أن يكون متلقي و ناقد لها .
إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في تضليل الرأي العام، بل أيضا في تشويه إدراك المجتمع لطبيعة الظواهر الإجتماعية.. فإختفاء الأطفال على سبيل المثال، قضية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة إجتماعية وأسرية وأمنية ونفسية … ولا يمكن فهمها أو معالجتها بالإستناد إلى توقعات تنجيمية أو روايات غير موثقة .. بل إن التعامل الجاد معها يقتضي تعزيز آليات البحث والتحقيق، وتقوية دور المؤسسات المعنية بحماية الطفولة، إلى جانب تطوير ثقافة مجتمعية تقوم على التحقق من المعلومات قبل تداولها.
وهنا يصبح الوعي الإعلامي شرطا أساسيا لبناء فضاء عمومي صحي ، فالمجتمع الذي يميز بين الخبر والتحليل ، وبين المعلومة والتكهن ، هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الإشاعات والتأويلات غير المؤسسة ، كما أن ترسيخ هذا الوعي يساهم في إعادة الإعتبار للمعرفة القائمة على الدليل، ويحد من تأثير الخطابات التي تستثمر في الخوف أو الغموض لجذب الإنتباه.
وعليه فإن النقاش حول ظاهرة إختفاء الأطفال ينبغي أن ينصرف أساسا إلى تحليل أسبابها الواقعية والبحث عن حلول مؤسساتية ومجتمعية للحد منها، بدل الإنجرار وراء توقعات ليلى عبد اللطيف أو لأخبار غير موثقة ، فالمجتمع الذي يواجه قضاياه بالعقل وبمنهجية علمية هو وحده القادر على تحويل القلق الجماعي إلى قوة إقتراحية، تسهم في حماية الطفولة وتعزيز الثقة في الفضاء العمومي .