الزفزافي.. خطاب الجنازة ورسالة الوطن.

0 1٬461

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في مشهد جنائزي حزين، أذنت السلطات العليا بخروج “ناصر الزفزافي” من زنزانته ليودّع والده “أحمد الزفزافي” إلى مثواه الأخير. بدا الحدث ٱستثنائيًا في كل تفاصيله، رجلٌ يحمل لقب (المعتقل السياسي) يعود إلى مسقط رأسه، لكن لا بصفته ٱبن الريف وحده، بل بصفته رمزًا لصوتٍ لم يخفت رغم الجدران الحديدية…. هناك، أمام جمهور الريفيين المحتشدين، ألقى كلمته القصيرة التي بدت في ظاهرها خطاب وداع، لكنها في جوهرها نصٌّ كثيف، يتطلب قراءة متأنية بين السطور.

 

قال “الزفزافي” بنبرة متهدجة:

«إن الوطن يسمو فوق كل ٱعتبار، وإنه لا مكان للخصام حين يتعلق الأمر بالإنتماء».

في الظاهر، كلمات عابرة يرددها أي خطيب في جنازة، لكن في العمق، هي إعلان عن معادلة جديدة (أن الرجل الذي وُصف بالمتمرّد على الدولة، لم يكن يومًا متمرّدًا على الوطن، وأن الريف الذي وُصم بالإحتجاج، لم يكن يومًا خارج البيت المغربي الكبير).

الخطاب حمل بصمة مزدوجة:

✓وجع الإبن وهو يودع والده

✓وحكمة السياسي وهو يرسل إشارات لا تخطئها العين.

 

المفارقة أن كلماته لم تُلقَ في قاعة برلمان ولا في منبر حزبي، بل عند لحدٍ مفتوح في مقبرة صغيرة!

هناك، حيث يلتقي الفناء بالخلود، قرر “الزفزافي” أن يضع النقاط على الحروف… لم يتحدث عن نفسه، ولا عن سنوات السجن، بل ٱختار أن يرفع الكلمة إلى مستوى الوطن.

أراد أن يقول، بلغة مضمخة بالدموع، إن الريف لا يطلب غير الإعتراف بكرامته، وإن الخلافات السياسية، مهما عظمت، لا ينبغي أن تحجب ٱنتماءً عميقًا للأرض الأم.

 

الجمهور الذي حضر لم يكن يستمع إلى رجل عاد ليغادر بعد ساعات، بل إلى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ البلاد.

كان خطاب “الزفزافي” أشبه بوصية سياسية مغلّفة بثوب الحداد، يعلن فيها أن المصالحة ليست خيارًا ثانويًا، بل قدرًا لا مفر منه إذا أرادت الدولة أن تخرج من دوامة الشكوك والإحتقان، ومن سمعه يدرك أن الرجل، رغم مرارة السجن، لم يتخل عن إيمانه بإمكانية وطنٍ يسع الجميع.

 

إن خطاب “ناصر الزفزافي” في جنازة والده لم يكن نداء حزنٍ فرديًّا، بل كان إعلانا سياسيا صريحا من قلب المأساة.

حين يقول رجلٌ قضى سنوات خلف القضبان:

«لا شيء يعلو فوق مصلحة الوطن»

فإن الكرة تنتقل مباشرة إلى ملعب الدولة.

هذه الكلمات ليست شعارا لتزيين جنازة، بل التزاما أمام الجميع بأن الريف لا يطلب غير الكرامة في إطار الوطن، وأن أبناءه لم يغادروا خريطة الإنتماء يومًا.

 

اليوم، لم يعد مسموحا تجاهل الإشارة، إذ أن تجاهل خطاب بهذه القوة، في هذا التوقيت، ليس سوى إصرار على تعميق الجراح وإدامة الإحتقان.

فالدولة أمام فرصة نادرة، لتحوّل دموع الريف إلى بداية مصالحة تاريخية، أو أن تتركها تجفّ بلا أثر، فتتكرر الأخطاء ذاتها التي دفعت الجميع ثمنها.

 

لقد قال “الزفزافي” ما عليه أن يقوله، مختصرا المعادلة كلها:

«الوطن أولًا، الكرامة دومًا».

والآن، يبقى السؤال معلقًا في الهواء:

– هل تملك الدولة شجاعة التقاط اليد الممدودة، أم تفضّل أن تواصل إدارة الأزمة بالصمت البارد؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.