في ندوة نظمها المجتمع المدني بمراكش ، كفاءات أكاديمية تضيء ملاحم المغرب وتستحضر روح الدولة الأمة .

0 884

محمد سيدي: بيان مراكش

في إطار دينامية المجتمع المدني المراكشي وسعيه الحثيث لتعزيز ثقافة النقاش الجاد وإستحضار التحولات الوطنية من زوايا فكرية متعددة ،نظمت جمعيات المجتمع المدني بمراكش ندوة علمية موسومة بعنوان المغرب الدولة الأمة مقاربات في ملاحم الإستقلال ومسيرة الوحدة والتنمية المستدامة، وهي ندوة جسدت إلتقاء الذاكرة بالتفكير النقدي، وإستحضرت أزمنة النضال الوطني في تفاعل حي مع أسئلة الحاضر وآفاق المستقبل، وقد إفتتحت الجلسة الأولى التي ترأسها الدكتور حسن المازوني بحكمة كبيرة و بكلمات تمهيدية حملت أبعادا رمزية وروحية، إنطلقت بآيات من الذكر الحكيم والنشيد الوطني، تلتها كلمات كل من النسيج الجمعوي بمراكش والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والمجلس الجماعي، مما منح اللحظة طابعا تشاركيا يعكس تماهي العمل الجمعوي مع القضايا الوطنية.

أما الجلسة العلمية، فقد شهدت حضورا أكاديميا متميزا لنخبة من الدكاترة الباحثين الذين أثروا النقاش بمداخلات رصينة عكست عمق تخصصاتهم وتنوع مقارباتهم.

إفتتحت الجلسة بمداخلة الدكتور رشيد شحمي، الذي تناول بتمكن واضح موضوع سياسة الحماية الفرنسية ومقدسات الوطن عند المغاربة، حيث أبرز بحس تاريخي تحليلي كيف تماهى البعد الديني مع الشعور الوطني في مقاومة الإستعمار، مستعرضا شواهد دقيقة تجسد مركزية المقدس في بناء الوعي المقاوم لدى المغاربة ، وقد إتسم عرضه بالجمع بين الدقة المصدرية والوضوح المفاهيمي، مما جعله يؤسس لصورة مركبة عن دور الهوية الروحية في الدفاع عن الوطن .

تلتها مداخلة الدكتورة رشيدة الشانك، التي قاربت موضوع المغرب وإفريقيا في إستراتيجيات الملك محمد السادس، من زاوية جيوسياسية تنهل من التخصص الدبلوماسي والإستراتيجي، حيث قدمت قراءة عميقة لمسار الإنفتاح المغربي على العمق الإفريقي، مؤكدة أن هذا التوجه لم يكن خيارا ظرفيا بل رؤية إستراتيجية موجهة، تمتد من إمتداد تاريخي وروحي بين المغرب وبلدان القارة الإفريقية، وقد تميز أسلوبها بالسلاسة التحليلية والقدرة على الربط بين المعطى السياسي والبعد الثقافي، مما أضفى على عرضها طابعا تركيبيا راقيا.

فيما إختار الدكتور عبد الكريم أمريغ زاوية سياسية دقيقة من خلال مداخلته حول نعمة الملكية في المغرب من خلال مقولة رابح رابح، وهي مقاربة إستثنائية قاربت مفهوم الملكية من خلال العدالة التوافقية التي تتيح للفاعلين في النسق المغربي إمكانية تحقيق مصالح جماعية دون خاسر، وقد أبان الدكتور أمريغ عن قدرة تأطيرية رفيعة في قراءة المسار الدستوري والمؤسساتي للملكية المغربية، موظفا أدوات التحليل السياسي برؤية نقدية متوازنة، مما جعل مداخلته تحظى بتقدير خاص من قبل الحضور .

أما المداخلة الرابعة للدكتور فؤاد جوهر فقد إنصبت على العهد الجديد والرؤى الإستراتيجية للملك محمد السادس حفظه الله ونصره ، من خلال قراءات في مسار 26 سنة من التحديات السياسية والإقتصادية، حيث أنجز عرض تركيبي يدمج بين التحليل المرحلي والربط الجدلي بين السياسات العمومية والتحولات الإجتماعية، ما أبرز وعيا بنيويا بدينامية الدولة الحديثة في ظل قيادة ملكية حريصة على الإستمرارية والتحديث.

وقد ختمت الجلسة بمداخلة متميزة للدكتور أنور أصبان حول موضوع عيد العرش السياق والدلالات، وهي مداخلة إتسمت بالعمق الرمزي والتأويل الثقافي، حيث إنبرى الدكتور أنور أصبان، المتخصص في التاريخ الديني للمغرب، لتفكيك أبعاد العيد كرافعة رمزية توثق لعلاقة البيعة وتجدد المشروع الملكي في سياق وطني دائم التحول، وقد أظهر في تحليله تميزا أكاديميا لافتا يجمع بين التكوين التاريخي والمنهج التأويلي، مما جعل من عرضه لحظة فارقة في الجلسة ،مؤكدا أن رمزية العيد تتجاوز الإحتفال إلى تثبيت قيم الإستمرارية في ظل المتغيرات .

لقد أعطى الدكتور أنور أصبان للندوة بعدا علميا راقيا وجعل من مداخلته لحظة تأمل للمتابعين في هذا الحدث الوطني السنوي وهو ما يؤكد الحاجة المتجددة إلى مثل هذه الكفاءات التي تشتغل في صمت داخل الجامعات ولا تبحث عن الأضواء بقدر ما تسهم في تنوير الرأي العام حين تتاح لها الفرصة في إطار ندوات جادة ومسؤولة مثل هذه التي نظمتها جمعيات المجتمع المدني بمراكش .

هكذا برهنت هذه الندوة على أن الحقل الأكاديمي المغربي زاخر بكفاءات نوعية تشتغل في صمت وتتحلى بوعي نقدي وقدرة تحليلية عالية، وأن المجتمع المدني حين يفتح نوافذه على هذه الطاقات يسهم في إنتاج نقاش عمومي رصين يعيد للمعرفة دورها في التوجيه والتأطير، ويؤسس لثقافة الإعتراف بالمجهود الأكاديمي كمصدر من مصادر قوة الدولة الأمة في مغرب اليوم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.