رشيد نيني يكتب : ” اعدلوا ولو كان ذا قربى…”

0 1٬070

يبدو أن أخت آمنة ماء العينين المقيمة في تيزنيت لا تقرأ التدوينات التي تنشرها أختها البرلمانية من الرباط حول ضرورة احترام مجهودات وتعليمات الدولة والإنضباط لها في هذه الظروف الصعبة.
لذلك عندما تم توقيف الأخت وهي تخرق الحجر الصحي وحالة الطوارئ المستعجلة في تزنيت لم تتقبل الأمر ووجهت إهانات لأحد أعوان السلطة أثناء قيامه بواجبه.
أكثر من ذلك فقد حكت أخت ماء العينين ما جرى خلال توقيفها في مكالمة تروج عبر وسائل التواصل الإجتماعي أقل ما يمكن أن يقال عنها أن تفضح تدخلا مشينًا في القضاء، وعلى أعلى مستوى حكومي، لصالحها.
تحكي أخت البرلمانية ماء العينين أنه عندما تم توقيفها منحتها النيابة العامة كمامة، في إطار حماية صحة المعروضين على القضاء، قبل أن يأتي شقيقها لتأدية كفالة مالية من أجل إطلاق سراحها. كل هذا عادي وطبيعي ويحدث كل يوم في محاكم وكوميساريات المملكة.
ما ليس عاديًا ولا طبيعيًا ولا ديمقراطيا هو عندما تقول الأخت أنها اتصلت بأختها البرلمانية وأن سعد الدين العثماني وعبد الإله بنكيران دخلا على الخط وأن محكمة تزينت انقلبت رأسا على عقب وناضت وقربالة فالكوميسارية، وأن عون السلطة الذي أوقفها سوف سيؤدي الثمن، أو كما قالت بالحرف “الله ينعل جد بوه الكلب غادي نخرج على مو غير بلاتي”.
هذا الأوديو يطرح عدة إشكاليات تتعلق أولًا بطبيعة التدخلات التي قام بها رئيس الحكومة الحالي ورئيس الحكومة السابق من أجل أن تغادر الموقوفة المحكمة لتتابع في حالة سراح بعد دفع كفالة، في الوقت الذي نرى فيه كيف يتم التعامل بصرامة مع مواطنين آخرين خرقوا حالة الطوارئ انتهوا في السجن، حيث بلغ إجمالي الأشخاص المضبوطين منذ بدء “حالة الطوارئ الصحية”، 24311 شخصا، بينهم 13091 تم وضعهم تحت الحراسة النظرية، ليس بينهم أخت البرلمانية ماء العينين طبعا.
ثاني إشكال يطرحه هذا الأوديو هو أية حماية يمكن أن توفرها الداخلية لحماية أعوان السلطة من نفوذ بعض المواطنين الذين يستغلون وجود معارفهم في الحكومة للإفلات من العقاب واحتقار هؤلاء الأعوان الذين لا يقومون سوى بواجبهم.
قبل أسبوع من وقوع حادثة أخت البرلمانية ماء العينين بتزنيت وقعت بالدار البيضاء واقعة مشابهة كان بطلها أخ الوزير السابق منصف بلخياط الذي تم توقيفه في حاجز أمني بسبب خرقه لحالة الطوارئ الصحية فانهال بالسب والشتم على أحد رجال الأمن قبل أن يفر بسيارته الفارهة، لكنه في اليوم الموالي أعاد الكرة في نفس المكان فتعرف عليه رجل الأمن الذي كان قد وضع شكاية ضده وبالتالي تم توقيفه وعرض على المحكمة التي قررت متابعته في حالة اعتقال، وهو يوجد الآن، رغم كل التدخلات التي حاولت الوصول إلى الصلح، في سجن عكاشة بانتظار محاكمته.
لقد فوت رئيس الحكومة سعد الدين العثماني على نفسه وعلى حكومته وحزبه فرصة إعطاء المثل على احترام تدابير الحجر الصحي، وضيع مناسبة هامة لكي يحافظ على مسافة قانونية وأخلاقية ودستورية بينه وبين القضاء، وأن يقول للبرلمانية التي طلبت تدخله من أجل مساندة أختها التي تجاوزت قانونًا هو نفسه من أشرف عليه أنه لا يستطيع لها شيئًا وأن القانون فوقه وفوق الجميع.
لكن يبدو أن سعد الدين العثماني لديه موقف من الكمامة سبق أن عبر عنه، فهو يكره وضعها حيث لم يضعها سوى خلال الإستقبال الملكي الذي أعطى فيه الملك القدوة بارتدائها، فيما العثماني لم يضعها لا عندما اجتمع بوزرائه وكانوا جميعهم مكممين، ولم يضعها عندما اجتمع بهم عن طريق الفيديو وكان هناك أفراد طاقم تصوير قريبا منه يضعونها جميعهم.
إن الوضع الدقيق الذي تمر منه بلادنا لا يستحمل مثل هذه السلوكيات المتنطعة والفجة لبعض من يعتقدون أن تمكنهم من التغلغل داخل دواليب الدولة يعطيهم حصانة ضد القانون.
وربما كان هذا التصرف قبل زمن كورونا سيمر بردًا وسلاما، فكم مرة استعمل أبناء العدالة والتنمية هواتفهم للإتصال بوزرائهم في الحكومة للإفلات من متابعات وتوقيفات وفضائح تورطوا فيها، لكن الظروف الحالية تلزم الجميع باحترام صلاحياته وممارسة سلطاته بصرامة وفي حدود ما يفرضه القانون.
وإلا فإن الحزب الحاكم سيقدم مثالا سيئا على استغلال النفوذ وسيضرب في الصميم جميع التوجيهات والمراسلات والأوامر التي ظلت النيابة العامة توجهها للقضاة ووكلاء الملك في جميع ربوع المملكة مطالبة إياهم بعدم التساهل في تطبيق القوانين التي فرضتها حالة الطوارئ الصحية.
أما بالنسبة لرئيس الحكومة المتقاعد عبد الإله بنكيران الذي أصيب بالخرس منذ بدأت هذه الجائحة فقد طفى اسمه على السطح مرتين، مرة عندما خرج عبر سائقة لكي يكذب تبرعه بمعاشه في صندوق مكافحة كورونا،
وهو خبر لم يكن بحاجة لتكذيب لأنه من سابع المستحيلات أن يحدث أصلا.
ومرة عندما تدخل لفائدة أخت البرلمانية ماء العينين لكي يتم إطلاق سراحها بعد خرقها لحالة الطوارئ الصحية.
خارج هذه السقطات لم يسمع أحد لبنكيران ولو كلمة طيبة واحدة يساهم بها في رفع معنويات الشعب ضد هذا البلاء، أو يدعو الناس إلى التضامن فيما بينهم بتلك الطريقة الوعظية التي يجيدها وحده. لقد اختار أن يلتزم الصمت وأن لا يضع قدراته الخطابية في خدمة التوجه العام للدولة الذي هو تشجيع المواطنين على احترام قواعد الصحة والسلامة وقوانين حالة الطوارئ.
عوض ذلك ها نحن نكتشف أنه يساهم “من تحتها” في ضرب مجهودات الدولة بتدخله لصالح من يخرق قوانينها ويهين رجال وأعوان سلطتها.
فهل تدفع الدولة من أموال دافعي الضرائب سبعة ملايين في الشهر كمعاش لبنكيران لكي يقوم بمثل هذه التدخلات التي تسيء إليه وإلى حزبه والحكومة التي يقودها ؟
رشيد نيني

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.