للكاتب والقاص : محمد الهرݣال
كان محمود يعتقد دائمًا أن شعره كان من أجمل ملامحه. كان كثيفًا، داكنًا، ولم يتوقف عن النمو، مما جعله يشعر بالثقة أمام الآخرين. منذ أن كان صغيرًا، كان يتباهى بشعره أمام أصدقائه، ويتفاخر بأنه ورثه عن والده، الذي كان شعره كثيفًا حتى في سنواته المتقدمة. كان محمود يعتقد أن جمال شعره هو سر شخصيته القوية، وأنه جزء من هويته التي لا يمكن المساس بها.
ومع مرور الوقت، بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا. كان يتساقط المزيد والمزيد من الشعر كل يوم. في البداية كانت الخصلات قليلة، ثم لاحظها على وسادته كل صباح. وعندما بدأ يفحص نفسه في المرآة، بدأ شعره يخف تدريجيًا، وظهرت بقع صلعاء على رأسه. شعر بالفزع، فهو لم يكن قد مر بتجربة مشابهة من قبل، وكان يعتقد أن هذا الأمر لا يحدث إلا مع كبار السن.
في البداية، حاول تجاهل الموضوع، قائلاً لنفسه: “ربما يكون الأمر مجرد ضغط نفسي بسبب العمل، أو ربما بسبب قلة النوم.” لكن مع مرور الأسابيع، أصبح الموضوع أكثر وضوحًا. لم يعد الشعر يتساقط فقط عند تمشيطه، بل بدأ يفقده حتى أثناء النوم. حاول محمود عدة حلول منزلية، من عصير البصل إلى أقنعة البيض، وحتى الزيوت العطرية التي اشتراها من المتاجر المحلية، لكن دون جدوى. شعر أن لا شيء يعمل.
زاد قلقه وبدأ يراقب شعر الرجال الآخرين في الأماكن العامة. كان يحدق في شعورهم بتمعن، يحاول أن يتفقد ما إذا كانوا يعانون مثلما هو الحال معه. كان يتجنب الوقوف تحت الأضواء الساطعة، لأنه لم يعد يتحمل فكرة أن يراه الآخرون وهو يخفف عن نفسه هذه الأزمة.
في أحد الأمسيات، كان جالسًا في شقته الصغيرة، وهو يتصفح هاتفه عندما لفت انتباهه إعلان يقول: “استعد شعرك، واستعد ثقتك بنفسك! استشر الدكتور زريويل اليوم!” بدا الإعلان وكأنه حل له، فقد كان في حاجة إلى استشارة طبيب متخصص، وأخيرًا قرر أن يذهب.
ذهب محمود إلى العيادة في صباح اليوم التالي. كانت العيادة تقع في مبنى حديث في وسط المدينة، حيث دخل محمود وهو يشعر بشيء من القلق والارتباك. كانت غرفة الانتظار نظيفة وهادئة، والزخارف الحديثة على الجدران تعكس طابع المكان العصري. اقترب محمود من السكرتيرة بابتسامة وديّةوقال :
“صباح الخير. لدي موعد مع الدكتور زريويل.”
رفعت السكرتيرة نظرها عن جهاز الكمبيوتر وقالت: “الاسم؟”
“محمود كوارك.”
بدأت السكرتيرة في النقر على لوحة المفاتيح ثم نظرت إليه وقالت: “مشكلة تساقط الشعر، أليس كذلك؟”
ضحكت بصوت منخفض، وكان هذا كافيًا ليثير حنق محمود. شعر كأنها تسخر منه. ابتسم لها بحذر، وقال: “نعم، هذا صحيح.”
لكن السكرتيرة تابعت ضحكتها. كان ذلك أكثر مما يمكن لمحمود تحمله. “آسفة، لم أقصد أن أحرجك، من فضلك اجلس، سيقابلك الطبيب قريبًا.”
جلس محمود في المقعد وأخذ يفكر في تصرفها، وكان مضطربًا للغاية. لماذا ضحكت؟ هل حالته أصبحت مثيرة للسخرية إلى هذا الحد؟ كانت مشاعره تتأرجح بين الغضب والحيرة، لكنه حاول التركيز على حل مشكلته بدلاً من الانشغال بما حدث.
بعد دقائق، نادى الطبيب على اسمه. دخل محمود إلى غرفة الاستشارة وهو يشعر بشيء من التردد، ولاحظ أن الطبيب كان يقف خلف مكتبه مبتسمًا، وهو يرتدي معطفًا أبيض.
لكن شيءا لفت انتباه محمود بشكل غير متوقع: كان الدكتور زريويل أصلع تمامًا. لا خصلات شعر، ولا حتى شعرة واحدة على رأسه. وقع محمود في حالة من الصمت التام. كيف يمكن لطبيب متخصص في علاج تساقط الشعر أن يكون هو نفسه أصلعًا؟
“أرى أنك لاحظت هذا.” قال الدكتور زريويل وهو يشير إلى رأسه اللامع بابتسامة واسعة.
فوجئ محمود وقال: “أوه… نعم، لم أكن أتوقع هذا.”
ابتسم الطبيب وقال: “أنت لست أول من يلاحظ ذلك.”
شعر محمود بالحرج. كان قد جاء إلى الطبيب ليعالج تساقط شعره، لكنه وجد نفسه في موقف غريب، حيث كان يطلب المشورة من شخص خسر معركته مع الشعر.
“لا تقلق، محمود. سأشرح لك كل شيء.” قال الدكتور زريويل مبتسمًا. شرع الدكتور في شرح الحالة بتمعن. أوضح أن تساقط الشعر قد يكون له أسباب مختلفة: البعض وراثي، والبعض الآخر يعود إلى التوتر أو الإجهاد. وبينما كان يتحدث، شعر محمود براحة متزايدة. لم يعد يشعر بالخوف أو الارتباك كما كان قبل قليل.
“هل يمكنني العلاج؟” سأل محمود بقلق.
“نعم، هناك علاجات قد تساعد في إبطاء تساقط الشعر، لكن إذا كان الأمر وراثيًا، فسيكون الأمر صعبًا. عليك أن تقبل الحقيقة ” قال الدكتور زريويل وهو يبتسم .
أثار حديث الدكتور زريويل في محمود تفكيرًا عميقًا. كان قد امضى أسابيع وهو يتعذب بسبب مظهره. كان يشعر أن فقدان شعره يعني فقدان جزء من هويته، لكنه الآن بدأ يدرك أن التغيير ليس نهاية العالم.
“إذن، ماذا تنصحني؟” قال محمود.
“أعتقد أنه إذا كان الأمر وراثيًا، يمكننا أن نبطئه، ولكن في النهاية عليك أن تقبل هذه الحقيقة.” قال الدكتور زريويل وهو يشير إلى صلعته مبتسمًا. “أحيانًا، يكمن الحل في قبول الأمر كما هو.”.
نهاية الجلسة كانت لحظة محورية في حياة محمود. خرج من العيادة وهو يشعر بارتياح لم يشعر به منذ وقت طويل. أدرك أن الشعر ليس ما يجعل الرجل جذابًا أو غير جذاب. ما يهم هو ما في داخل الإنسان.ورغم أن تساقط الشعر كان لا يزال يشكل قلقًا له، إلا أنه أصبح يرى الحياة بشكل مختلف. ربما كان الصلع فصلًا جديدًا في حياته، ولكنه ليس النهاية.