من خالدة ياسر _______ مجموعة اليسار المغربي

0 1٬167

كتب إميل زولا “جرمينال” عام 1885…اخرج من خلالها إلى الوجود معاناة عمال مناجم الفحم في شمال فرنسا…ملحمة تحكي عن صراع بين قوتين…قوة الرأسمال وقوة العمل…على خلفية بؤس إنساني عميق تجسده حياة منجميين يبيعون قوة عملهم وعمل أبنائهم وزوجاتهم…وحتى آبائهم العجائز…لشركات استغلال المناجم…لتنتهي المواجهة بانهيار المناجم فوق من تبقى على قيد الحياة من العمال…بعد ان حصدهم رصاص الجنود على إثر إضراب طويل وحصار ضربته حولهم شركة المناجم دام اسابيع من التجويع العقابي….

هنا تنتهي قصة “جرمينال”…لتبدأ بعد أزيد من مئة وعشرين عاما…وآلاف الكيلومترات جنوبا… قصة جرادة…مدينة تركت لمصيرها منذ حوالي عقدين من الزمن…بعد ان رحلت شركة استغلال مناجم الفحم…مصدر العيش الوحيد للساكنة…مخلفة وراءها مناجم مهجورة…وآلاف الأسر في بؤس اجتماعي زادت من حدته قساوة طبيعة المكان…دفع بشبابها للغوص عميقا تحت الأرض …بحثا عن قطعة فحم…داخل آبار الموت..حيث كانوا على موعد مع الفاجعة…

احتجاجات عمال المناجم وأسرهم بفرنسا تم إخمادها بالرصاص عام 1869 …لكن الرصاص لم يستطع وقف الاحتقان الاجتماعي الذي وصل ذروته عام 1871 حيث انفجر على شكل ثورة اجتماعية…اطلق عليها كومونة باريس Commune de Paris …استنكف مثقفو فرنسا المعاصرون ( جورج صاند…مينديس…الفونس دودي…اناتول فرانس…كوستاف فلوبير…ادموند دي غونكور…واميل زولا نفسه…والقائمة طويلة…) عن تأييدها بدعوى كونها حركة احتجاج شعبوية يقودها العامة…وموجهة ضد مؤسسات تم انتخابها ديمقراطيا…باستثناء اديب فرنسا الكبير فيكتور هيكو…

إلا أن مثقفا المانيا كان يعيش آنذاك في لندن استطاع ان يحصل لكومونة باريس على تاييد وتعاطف كبيرين داخل الاوساط الفكرية والثقافية في اوروبا…وحولها من خلال مؤلفه “الحرب الاهلية في فرنسا” الى اسطورة بطولية لكفاح البروليتاريا…وسحب البساط من تحت اقدام مثقفي فرنسا الذين احرجتهم المذبحة التي تعرض لها ثوار الكومونة…حيث كان الضحايا بالآلاف…كان هذا المثقف يدعى كارل ماركس…

لينخرط بعد ذلك المثقفون الفرنسيون في معركة طويلة تكفيرا عن خيانتهم للكومونة توجت عام 1880 باستصدار عفو عام عن قياداتها les communards التي ادينت باحكام ثقيلة ومؤبدة….وهي الفترة التي قرر فيها زولا تبني قضية المنجميين بفرنسا وتوثيقها روائيا في “جرمينال” عرفت بعدها وضعية عمال المناجم في فرنسا تحولا كبيرا بفضل تلسيط الضوء عليها والتعاطف الكبير الذي اكسبتها اياه الرواية الخالدة….الى الدرجة التي تحولت معها جنازة اميل زولا عام 1902 الى مظاهرة ضخمة لعمال المناجم في فرنسا الذين شيعوا جثمان زولا الى قبره بشعار “جرمينال….جرمينال…”

ان التشابه بين جرمينال الامس وجرادة اليوم كبير رغم مرور قرن ونصف من الزمن…نفس القضية…نفس اللاعبين…نفس الكادحين الذين يغامرون بحياتهم يوميا من اجل انتزاع لقمة العيش من داخل آبار الموت…نفس الطبقة المثقفة التي استقالت من دورها الطلائعي…ووقفت تتفرج على الحراك الشعبي في شتى ربوع الوطن….وعلى معتقلبه الذين يواجهون المجهول.

خالدة ياسر
مجموعة اليسار المغربي

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.