✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في دولة تُقدّس البروتوكول أكثر مما تحتفي بالإنجاز ، لا عجب أن يُقال مسؤول لأن «طقوس العيد» لم تكتمل كما ينبغي ، بينما تُمنح الحصانة لأولئك الذين يتقنون طقوس التخلف ، ويجيدون السباحة في مستنقعات الجمود…
هكذا ، وبهدوء رسمي يليق بجنازة مفاجئة ، أُعفي والي جهة فاس مكناس «معاذ الجامعي» من مهامه ، وكأن الدولة في لحظة براغماتية صارخة ، قررت أن تسقط رجالاتها بدل أن تسقط مشاكلها!
في بلد يعج بالإختلالات ، من التعليم إلى الصحة إلى السكن… يبدو أن التهديد الحقيقي للمنظومة لم يكن الفساد ، بل الحماس المفرط لوالي قرر أن لا ينام!!
رجل تحرك في زمن الركود ، وأيقظ الملفات التي اعتادت أن تُنسى في الأدراج…
رجل ربما أخطأ حين آمن أن فاس يمكن أن تستعيد عافيتها يوما ، وأن المشاريع يمكن أن تُنجز بدون أن تمر من بوابة الولاءات!!!
ولأن الدولة لا تحب الإيقاع السريع ، ولا تفضّل المسؤولين الذين (يزيدون فيه) ، جاء الرد بروتوكوليًا… أنيقًا… قاسيًا.
ولم يكن من داعٍ لتبرير الإعفاء ، فـ(الطقوس) كافية حين يكون المطلوب هو إنهاء المسار ، لا فتح النقاش.
في لحظة تأمل ، ٱسأل فاس:
– كم من مرة أُعفي فيها رجل كانت له نية الإصلاح؟
– كم من مرة تنفس فيها أهلها الصعداء ، ثم عادوا إلى خيباتهم؟
هذه المدينة العتيقة التي تنام على مجدها وتستفيق على نكرانه ، أصبحت مختبرا لتجارب الدولة بين ما يُعلن وما يُخفى ، بين ما يُقال وما يُفعل!
هناك «دولة ظاهرة» تتحدث عن الجهوية ، عن الإنصاف المجالي ، عن الحكامة.
وهناك «دولة عميقة» لا ترتاح إلا حين يُقال كل من يجرؤ على كسر النسق!!
و«معاذ الجامعي» في لحظة ما.. كسر النسق.
الشارع الفاسي لا يصرخ ، لكنه يتذكر… يتذكر الرجل الذي نزل إلى الميدان ، تحدث بوضوح ، وفرض إيقاعا أرعب أصحاب المصالح المزمنة.
يتذكر المشاريع التي بدأت تتنفس ، والحلم الذي كاد يُولد ، لكن الحلم لا يعيش طويلا في المغرب.
وكلما ظهر رجل ٱستثنائي ، أتى (البروتوكول) ليعيد الأمور إلى نصابها المعتاد:
رجال يمضون… وأزمات تبقى!!!
رجال يُحاسبون على الحماس… وآخرون يُكافأون على التراخي.
إعفاء «معاذ الجامعي» لم يكن مجرد قرار إداري ، بل رسالة.
وكان لحظة ٱنكشاف قصيرة ، تفضح منطقًا مرعبًا:
«أن الإصلاح في المغرب ممكن ، لكن غير مسموح له أن يتجاوز حده.
وأن فاس ، المدينة التي علّمت المغرب الكثير ، ما زالت تؤدي ثمن موقعها بين الظل والضوء ، بين الدولة التي نراها… والدولة التي تُمسك بالخيوط».