من قصص القاص محمد الهرݣال
كان مولاي الطاهر، أستاذنا في اللغة العربية خلال السنة الثالثة من التعليم الاعدادي، رجلاً في مقتبل العمر،تتوقد في عينيه شرارة المعرفة و ملامحه تُشبه صفحة قديمة خُطّت عليها سطور التجربة والصبر والجلد. وجهه الوقور يشعّ مهابة.اماظهره المنحني قليلاً فلم يكن علامة على وهن اوسقم، بل بدا كمن انحنى احترامًا للغة أحبّها وشغف بهاحتى أذاب عمره فيها.
كان يدخل القسم بجلباب ازرق فضفاض، بسيطٍ في شكله، لكنه يغدق عليه هيبة و جلالا. شواربه السوداء الكثيفة تمتد تحت انفه كسيوف بتارة، نظراته ثاقبة، لا تكتفي بقراءة الأوراق، بل تغوص في النفوس وتكشف الخفايا.
لم يكن يرفع صوته؛ لم يحتج إلى ذلك أصلاً، فصرامته كانت كافية لبثّ الصمت في القاعة. كان يُدرّس اللغة العربية بأسلوب يُشبه الأوامر العسكرية: لا تساهل في النطق السليم، لا تهاون في ضبط القواعد، لا مفرّ من معرفة الاعراب ولا محيد عن سلاسة الاسلوب. ومن يخطئ، فليتهيأ للوقوف أمامه، حيث يُحاسب كما يُحاسب جندي خالف الاوامر.
في بداية العام الدراسي، كان اسمه يتردد عبر فضاء المدرسة كتحذير. سمعنا عنه قبل أن نراه. سمعنا عن مواقفه الحازمة الصارمة، عن تلك المرات التي بكى فيها بعض التلاميذ في حصة الشكل والاعراب، عن دفاترهم التي مزقها حين امتلأت بالأخطاء وعاقبهم بإعادة كتابتها، عن دفاتره التي كانت لا تقبل الخطأ.لا يهادن الكسالى ولا يتجاوز عن المغفلين. كنا نتهامس، نخشى يوم اللقاء، ونرتبك حين يلوح من بعيد.
جاء أول لقاء، تكدّس التلاميذ على الكراسي في صمت جنائزي. دلف مولاي الطاهركمن يدخل محرابًا. لم يُلقِ تحية، ولم يبتسم، فقط نظر إلينا بعينين حادتين ترميان الشرر. التفت الينا وقال بصوت جهوري ألقى الرهبة في نفوسنا:
“أنا لست هنا كي أكون صديقكم. أنا هنا لأعلمكم لغة القرآن، لغة الأمة. من لا يُحبّ العربية، لا حاجة له بي ولاحاجة لي به.”
كانت تلك الكلمة الافتتاحية كفيلة بإعلان بداية عام دراسي من نوع آخر. عام مختلف، مليء بالخوف والترقّب. كان صارما،يرفض الهزل،يعامل الجميع بميزان واحد،لايهمه ان كنت ابن فلاح بسيط وابن موظف سام،في عينيه كلنا سواسية ،مجرد تلاميذ عليهم ان يتعلموا ويتقنوا اللغة العربية كما يتقن الصانع التقليدي ابداعاته وابتكاراته.كان الجميع يصنفه ضمن الأساتذة القساة.لم يهتم شخصيا باي من تلاميذه لكنه صب كل اهتمامه على تعليم اللغه العربية واعتبر ذلك رسالة مقدسة.
لم يبذل اي مجهود لكي نحبه.فهو لم يابه لذلك.كان مشغولا لنقل معارفه وايقاظ امكاناتنا والتنقيب عن مؤهلاتنا.لم يكن يهدف إلى تبسيط المادة او الغاء كل حاجز بين المعلم والتلميذ.كان غرضه بناء انسان يتميز بالكد والصبر والتعب من أجل نيل المادة الصعبة وفك شفراتها وهو ما يولد شعورا برضا نابع عن التغلب على الصعاب والعواءق.
ذات يوم، كنت منهمكا في نقل نص من السبورة الى دفتري.كان خطيء رديءا يكاد لايقرا.فجاة احسست بمولاي الطاهر كظل ثقيل يقف خلفي.انحنى فوق راسي كالطير.رفعت عيني لاجد عينين تلمعان باحمرار شديد كان نارا تاججت داخلها.حدق في دفتري وقد انتفخت اوداجه،ثم صرخ بصوته المخيف:”يا بغل! هل تكتب بيدك ام برجلك؟”
ارتج كياني رعبا كما لوان صاعقة ضربت قلبي الصغير.تمنيت لو انشقت الارض وابتلعتني.لم اعرف كيف امسكت القلم بعدها.كانت يداي ترتعشان،ودموعي تنقط على الورق وافسدت الحروف حتى كدت لااراها.لم يبق داخلي سوى الخوف والياس.لكن منذ ذلك اليوم،عاهدت نفسي على أن اتقاتل مهما كلفني الامر،من اجل تحسين خطي،ان اكتب كما يكتب مولاي الطاهر علني افوز بنظرة رضى منه ولو مرة واحدة.فهمت بعدها ان القسوة لم تكن هدفه،بل كانت هي وسيلنه الوحيدة للتواصل.لم يكن يعرف لغة أخرى.اختار ان يحبنا بالصوت العالي والصراخ وبث الرعب.
وجاء يوم كان فيه الدور علي،وقفت وقلبي يدق.احسست انني اهوي في بءر لا قرار له.صوته الساخر حين نطق باسمي كان كفيلة بأن يجعل ظهري يبتل عرقا كشلال صامت.ارتجفت ركبتاي .شعرت أنهما مصنوعتان من القطن بالكاد تحملني.مرت علي لحظات كأنها قدت من الجحيم.طلب مني ان أقرأ.كان صوتي يرتجف كطاءر مذعور.توقفت في نصف الجملة،وارتبكت في النحو.نظر الي مطولا،ثم قال ببطء:”اجلس.انت لااستحق ان تقرأ.”
تمنيت ان اختفي.كانت نظرات زملائي تلسعني،وصوته الجاف يترنح في اذني.ذهبت الى البيت يومها وانا لا اطيق نفسي.اردت ان اترك الدراسة،ان اهرب.كرهته،كرهت دروسه،طريقته في الكلام،عتابه الصارخ.دخلت بدمعة في عيني وانا اخفي عن والدتي شعورا بالخيبة والانكسار.كنت اتمنى ان يمرض هذا الاستاذ،ان ينقل،ان يبتعد ،ان يتغيب…اي شيء الا ان اراه صباحا بجموده وقساوته في الباب بنظر الينا كاننا جنود يلجون ثكنة عسكرية مثنى مثنى.الجميع يصنفه ضمن الأساتذة القساة.
لكن شيئا ما بداخلي تغير،كان الألم ايقظ في داخلي شيئا دفينا.حدث شرخ في مشاعري .لم يعدكرهي له واضحا بل صار يتلاشى شيئا فشيئا كسحاب امام شمس خفية.اصبحت أعشق حصص اللغة العربية ،اترقبها بشغف.كل مرة اتابع مولاي الطاهر وهو ينقلنا من اسم الفاعل واسم المفعول الى صيغ المبالغة ومصادر الافعال وتعقيدات الاعراب.كانت الكلمات تتفتح في ذهني كبراعم زهور في موسم المطر.صرت الاحظ ،انني رغم الخوف ،بدات استوعب دروسه اكثر من غيرها.حين اقرا نصا أدبيا،استحضر صوته وهو يصحح النطق ويشرح الصور البلاغية.انني دون اشعر وقعت في هوى اللغة العربية.
لم اكن وحدي.كان زميلي المصطفى القادم من دمنات يجلس في الصف الامامي.لطاما عرف بأهماله.الان يشخص الى مولاي الطاهر وكله اذانا صاغية يغرف من علمه وشروحاته.اما الحسين المتلعثم فقد صمم على تجاوز عاهته.كان يتدرب في اوقات فراغه حتى ينطق بالجمل والعبارات دون خوف اوتردد.فمنذ اسبوع وبخه مولاي الطاهر ونعته باقبح النعوت.ايقظ فينا حبا كامنا لم نكن نعلم بوجوده.جعلنا ندرك ان صرامة اللغة ليست قيدا،بل مفتاحا لتحرير وصقل التعبير.
لم يسع يوما ان نحبه او نرضى عنه.كان مشغولا برسالة اسمى:ان يزرع فينا المسؤولية وحب اللغة العربية ،ويربينا على أن المعرفة لاتمنح بل تنتزع بجهد وصبر.
اتذكر يوما حين اتى غاضبا ورمى بحقيبة اوراقه فوق الطاولة ثم قال:”قرأت واجباتكم “اجراتل”.كانت كارثة.بعضكم يكتب كأنه لم يطالع كتابا في حياته.هذه إهانة للغة العربية كما هي إهانة لي.”كنا نتوقع انفجارا،لكنه سحب دفتر احدنا،وبدا يصحح الاخطاء.لم يكن الغضب غضبا شخصيا،بل كان-في اعتقاده-غضب من ضياع اللغة وتهاوننا.بعد لحظات سكن غضبه وبدأ يتحدث مع نفسه بصوت منخفض كمن بعيد بيتا شعريا او يسترجع قاعدة نحوية.كان مهووسا عاشقا للغة العربية.
تجرات يوما على مولاي الطاهر ولم يكن احد بقادر على ذلك.اقتربت منه خجلا وقلت:
“استاذ،اريد ان اقرا لك شيئا كتبته!”
نظر الي بوجوم وقال:
“اقرأ ”
قرأت وانا اتصنع الشجاعة.كان نصا بسيطا لكنه نابع من وجداني.ساد الصمت وظننت انه سيستهزيء بي لكنه قال:”فيك شيء.تابع.”
اوقدت كلمته في فرحا وفخرا لايوصفان.ادركت انه رضي عني ويحثني على المزيد.منذ ذلك اليوم،بدات اكتب،ابحث،اقرا،ادون…اصبحت اللغة العربية ملاذا لي،ملجا،ملحمة خاصة اعيشها وحدي.خصصت يوم الجمعة لزيارة مكتبة دار الطالب بحومة رياض العروس لاستعير الكتب وأنهل من معينها.
وانتهى العام، ونجحت بامتياز.وقفت امامه في اخر يوم وقلت له” شكرا”.
لم يبتسم، فقط أومأ برأسه. لكن في عينيه، رأيت شيئًا مختلفًا. شيئًا يشبه الرضى.اعتقدت ساعتها انني ملكت الدنيا ومافيها.
رحل مولاي الطاهر عن الدنيا بعد سنوات، فجأة، دون وداع. وحين سمعت بالخبر، شعرت بشيء ينكسر في داخلي. لم أبكِ كثيرًا، لكن قلبي كان مثقلًا كمن فقد مرشده.
اليوم، كلما نطقت جملة عربية سليمة، أو كتبت فكرة ببيانٍ رشيق، شعرت أن في صوتي صدى من صوته، وفي قلمي ظلًّا من ظلّه..
اكيد ان مولاي الطاهر كان قاسيا كالصخر،لكن لم نكن ندري ان تلك القسوة كانت تحمل رسالة مبطنة،كانها تقول :”اريدكم ان تكونوا أفضل رغما عنكم.”تعلمنا ان نحب انفسنا عبر اللغة العربية فكانت قسوته وجها اخر للحب.الان بعد حملي لتلك الرسالة المقدسة،صرت افهم اكثر.صرت ارى في عيون تلامذتي نظرات كنت اعرفها،واسمع في كلماتهم ارتباكا كنت احمله.حين وبخت احدهم يوما سالني:”الاتحبنا يااستاذ؟”.
ابتسمت وقلت في سري:”لو تعلم يابني كم من الحب يختبيء في الصرامة لبكيت شكرا.”