✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
منقول عن: [ذ.عبدالعزيز مكريم]
حين نذكر مراكش، لا نستحضر فنادقها الفاخرة ولا سجادها الأحمر، بل نستحضر تلك الأحياء الشعبية التي كانت، لسنوات طويلة، القلب النابض للمدينة ومصدر إشعاعها الإنساني والثقافي.
هناك، في الأزقة الضيقة، كانت تصنع البهجة ببساطة، وتنسج تفاصيل الحياة اليومية بروح جماعية أصيلة.
غير أن المتأمل اليوم يلحظ بوضوح مفارقة مؤلمة:
«مسافة آخذة في الٱتساع بين بريق المهرجانات الكبرى وواقع هذه الأحياء، التي تحولت تدريجيا إلى فضاءات شبه معزولة ثقافيا وفنيا».
لقد كانت أحياء مثل:
(المدينة القديمة، باب دكالة، شعوف، الزاوية، المواسين، سيدي يوسف بن علي، باب الخميس، دوار العسكر، وحي البهجة)، وغيرها… خزانا حقيقيا للمواهب، ومشتلا للفن الشعبي الأصيل.
هناك، لم تكن “الحلقة” مجرد عرض، بل كانت مدرسة للحياة، وكانت الموسيقى والفرجة ٱمتدادا طبيعيا لنبض المجتمع.
أما اليوم، فيلاحظ تراجع ملحوظ لدور الجمعيات داخل هذه الفضاءات!
فبدل أن تكون رافعة للتأطير اليومي ومجالا لٱكتشاف الطاقات الشابة، ٱنحصر نشاط العديد منها في مناسبات محدودة، غالبا ما ترتبط بفعاليات رسمية أو موسمية، بعيدة عن هموم الساكنة ونبضها الحقيقي.
وفي المقابل، تصرف ميزانيات ضخمة على مهرجانات تستقطب الأضواء العالمية، بينما يعيش العديد من الرواد الحقيقيين حالة من التهميش والنسيان…
إنها مفارقة صارخة:
«بهجة تصنع في القاعات المغلقة، وواقع يفتقد لأبسط شروط الفعل الثقافي في الأحياء».
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم:
– أين ٱختفى دور المجتمع المدني؟
ليس دوره التصفيق في المناسبات، بل صناعته اليومية للوعي والبهجة، عبر التأطير الثقافي، وإحياء الفنون، وربط الأجيال بهويتها وقيمها.
إن ٱنسحاب الفاعلين من الميدان في أحياء قديمة، ذات طابع شعبي_مغربي عريق، ترك فراغا مقلقا، يهدد بتآكل الذاكرة الجماعية، ويضعف ٱرتباط الناشئة بجذورهم الثقافية، في وقت نحن في أمس الحاجة فيه إلى ترسيخ هذا الإنتماء.
إن إعادة الإعتبار للأحياء الشعبية ليست ترفا، بل ضرورة ثقافية ووطنية.
فهناك، في تلك الأزقة، يكمن العمق الحقيقي لمراكش، وهناك فقط يمكن أن تولد البهجة الصادقة.
مراكش لا تحتاج إلى مزيد من الأضواء بقدر ما تحتاج إلى إعادة إشعال روحها من الداخل… من ناسها، من فنها، ومن ذاكرتها الحية.