حول مساهمة الإعلام في محاربة الفسادمراكش
لطالما كانت الصحافة مرآة تعكس هموم المجتمع وتطلعاته، وهي منبر ينقل الحقيقة ويسهم في بناء الوعي الجماعي المحفز للتطور والتنمية. لكن،مع للأسف الشديد،أصبحنا نجد هذا الدور الريادي والحيوي أصبح يتعرض للشرخ والتدمير بسبب تحول بعض المنابر الصحفية إلى أدوات للتشهير و التمييع، متجاهلة القضايا الكبرى التي تمس هموم المواطنين و معاناتهم حاضرا ومستقبلا.
وإذا كان دور القضاء فعالا ونزيها في عديد من قضايا ملفات الفساد المالي والإداري ومتمشيا مع مختلف توجهات خطب عاهل البلاد التي تلح على ضرورة ترسيخ الثقة في العدالة وضمان الأمن القضائي للمواطنين والمساواة بينهم فما جدوى خوض عديد من المنابر الإعلامية فيها إلا بعد فوات الأوان وبعد قول القضاء كلمته فيها. أليس الأجدر بهذه المنابر فضح الفساد أثناء تغوله وتحكمه في دواليب الحياة العامة،وليس قبل صدور الأحكام القضائية فيه ،أليس ذلك من قبيل المثل الشائع “مات الميت ودفناه ، جا الحي ينبش فيه ناض الميت وبرك فيه”؟
لقد لاحظنا في كثير من ملفات الفساد أن زمن التساهل مع من يستهتر بالمسؤولية قد ولى، وأن الأجهزة القضائية ماضية في طريقها في محاربة الفساد بجميع أشكاله وألوانه بكل حزم وعزم لا هوادة فيهما.
والآن ملف “كازيو السعدي”،قال القضاء كلمته فيه والإصرار في الخوض فيه لا يمكن أن يكون إلا اجترارا لملف أغلق وانتهى والإستثمار في الخوض فيه كمثل الرحى التي تدور في الخواء بدون طحين ، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مزيد من الحزم والجد في محاربة هذا الفساد بجميع أشكاله وألوانه.
ودعوة مختلف الفعاليات المدنية الجمعوية والإعلامية للتطرق للملفات الشائكة المتعلقة بمختلف مظاهر الفساد. قضايا مثل التجاوزات المرتبطة بالأراضي السلالية، الصراعات الجهوية في مناطق السملالية، تمصلوحت، والحوز، إضافة إلى قضايا المال العام والجمعيات التي رفعت شكاوى تطالب بمحاسبة المسؤولين عن سوء تدبيره. كل هذه الملفات تستحق أن تكون في صدارة أولويات الصحافة، لأنها تمس جوهر التنمية والاستقرار الاجتماعي.
إن الصحافة مسؤولية تجاه المجتمع. وموكول إليها من مهامها محاربة الفساد المالي والإداري ، واستغلال المناصب والوظائف العامة في تحقيق مصالح شخصية أو فئوية على حساب المصلحة العامة. كما على الصحافيين الالتزام بمعايير النزاهة والمهنية، والتوجه نحو تسليط الضوء على القضايا التي تمس المصلحة العامة. وتركيز الجهود على معالجة التجاوزات في تدبير المال العام، ومناقشة السبل الكفيلة بإحداث تنمية شاملة ومستدامة، هو ما يجعل الصحافة أداة للتغيير الإيجابي.
لا يمكننا السماح بأن تصبح الصحافة وسيلة لترويج التفاهة أو لتصفية الحسابات الشخصية. المطلوب هو إعادة إحياء الرسالة النبيلة التي تضطلع بها، حتى تظل قوة فاعلة تسهم في بناء مجتمع واعٍ ومتقدم، بعيدًا عن الانحرافات التي تشوه صورتها.