تفوق مدارس القطاع الخاص في نتائج البكالوريا المغربية: جدل حول مصداقية الشهادة في ظل تضخيم نقط المراقبة المستمرة

0 2٬287

تثير نتائج امتحانات البكالوريا في المغرب سنويا جدلا واسعا، ليس فقط حول نسب النجاح العامة، بل وبشكل أعمق حول الهوة المتزايدة في الأداء بين مؤسسات التعليم العمومي والخصوصي. وفي قلب هذا الجدل، تبرز قضية “تضخيم” نقط المراقبة المستمرة في القطاع الخاص، والتي يرى كثيرون أنها باتت عاملا حاسما في تفوق هذه المؤسسات، مما يطرح تساؤلات جدية حول مبدأ تكافؤ الفرص ومصداقية شهادة البكالوريا نفسها.
ففي كل سنة، تتصدر مؤسسات التعليم الخصوصي قوائم الامتياز بأعلى معدلات النجاح ونسب الميزات، وغالبا ما تعزى هذه النتائج اللافتة إلى جودة التعليم والتأطير والموارد التي توفرها. إلا أن نظرة فاحصة على بنية المعدل العام للبكالوريا تكشف عن حقيقة أكثر تعقيدا. فالمعدل النهائي يتكون من ثلاث مكونات رئيسية: 25% للامتحان الجهوي، و25% للمراقبة المستمرة، و50% للامتحان الوطني الموحد، وهنا تكمن المشكلة الأساسية.
يلاحظ بشكل متكرر وجود تفاوت صارخ بين النقط التي يحصل عليها تلاميذ التعليم الخصوصي في فروض المراقبة المستمرة داخل مؤسساتهم، وتلك التي يحصلون عليها في الامتحان الوطني الموحد، الذي يتميز بطابعه الوطني المجهول والموحد في التصحيح، مما يجعله المقياس الأكثر موضوعية لمستوى التحصيل الفعلي للتلميذ. فليس من النادر أن تجد تلميذا في مدرسة خصوصية يحصل على معدلات تقارب 18 أو 19 على 20 في المراقبة المستمرة، بينما لا تتجاوز نقطته في الامتحان الوطني 1 أو 4 على 20. هذا الفارق الشاسع، الذي يطلق عليه البعض “النفخ في النقط”، يلعب دورا محوريا في رفع المعدل العام للتلميذ بشكل مصطنع.
هذه الظاهرة تخلق مفارقات مقلقة؛ فتلميذ ذو مستوى متواضع في القطاع الخاص، بفضل “دفعة” قوية من نقط المراقبة المستمرة، قد يتمكن من الحصول على شهادة البكالوريا بميزة “مستحسن” أو “حسن”، او “حسن جدا” متفوقا بذلك على تلميذ مجد ومثابر في القطاع العمومي قد يكون مستواه الحقيقي أفضل بكثير، ولكنه “عوقب” بنظام مراقبة مستمرة أكثر صرامة وموضوعية، وقد يرسب بفارق بسيط من النقط. هذا الوضع لا يضرب في الصميم مبدأ العدالة والإنصاف فحسب، بل يهدد القيمة الاعتبارية للشهادة ككل.
إن ارتفاع نقط البكالوريا بشكل ملحوظ في القطاع الخصوصي يؤدي إلى تداعيات خطيرة على المدى الطويل. فهو يساهم في تخريج أعداد من التلاميذ الذين قد لا يمتلكون الكفاءات المعرفية والمنهجية الحقيقية التي تؤهلهم لمتابعة دراساتهم العليا بنجاح، خاصة في الكليات والمعاهد العليا ذات الاستقطاب المحدود التي تعتمد بشكل كبير على المعدل العام للبكالوريا في عملية الانتقاء الأولي.
هذا الأمر يضع شهادة البكالوريا المغربية على المحك، ويجعلها عرضة للتشكيك في مصداقيتها داخليا وخارجيا. فبدلا من أن تكون مرآة تعكس المستوى الحقيقي للطالب، قد تتحول إلى مجرد وثيقة إدارية يمكن “شراؤها” بشكل غير مباشر عبر التسجيل في مؤسسات تعليمية تتبنى سياسة “الكرم” في منح النقط.
لمواجهة هذا الخلل البنيوي، ترتفع أصوات العديد من الفاعلين التربويين والخبراء مطالبة بإعادة النظر في معامل المراقبة المستمرة في المعدل العام للبكالوريا، أو على الأقل إيجاد آليات لتوحيد معاييرها وضمان موضوعيتها بين القطاعين العام والخاص.
إن الحفاظ على القيمة الرمزية والعلمية لشهادة البكالوريا يتطلب شجاعة في اتخاذ قرارات إصلاحية تضمن أن النجاح والتفوق يكونان حليفا للكفاءة والاستحقاق، لا للمحاباة وتضخيم الأرقام.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.